فضائح إبستين وإفلاس الخطاب العلماني

فضائح إبستين وإفلاس الخطاب العلماني
هوية برس – عابد عبد المنعم
أثارت فضائح جيفري إبستين، بما كشفته من شبكات استغلال جنسي واتجار بالبشر واعتداءات ممنهجة على الطفولة والمرأة داخل قلب المنظومة الغربية، تساؤلات واسعة حول الصمت المريب الذي التزمه عدد من الأصوات العلمانية واللادينية، ممن اعتادوا الظهور الصاخب في كل مناسبة يهاجم فيها الإسلام، أو يُشكّك في القرآن الكريم والسنة النبوية وعلماء الإسلام، بدعوى الدفاع عن القيم والحقوق والحريات.
هذا الصمت، الذي وُصف من متابعين بـ”صمت القبور”، لا يمكن اعتباره موقفا عابرا، بل يكشف انتقائية أخلاقية فاضحة. فحين تتهاوى الأسطورة الأخلاقية الغربية من الداخل، ويُفضَح الاستغلال البشع للمرأة والطفولة في عصر التكنولوجيا والتقدم الحقوقي المزعوم، تختفي الأصوات نفسها التي ترى الدين عائقا والتدين تخلفا.
وفي خضم هذا السياق، وفي ظل تواري جل العلمانيين في العالم العربية والإسلامي إلى الخلف، طالب كثيرون من “الناشط” اللاديني عصيد، الذي سبق أن وصف رسائل النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالإرهابية، بأن يعلّق على هذه الفضائح المدوية كما اعتاد على ذلك دوما، فهو “غيور” على المرأة والطفولة كما يدعي، وهو من سبق ودافع عن فتاة الحافلة وتنورة إنزكان.. غير أن الرد لم يأتِ في اتجاه مساءلة الجريمة أو نقد المنظومة الفاسدة، بل خرج صاحب ما يُعرف بـ”عقدة الإله ياكوش” في عز الفوران والغضب على شبكات التواصل الاجتماعي ليهاجم من خلال تدوينة من يطالب بالمحافظة على صلاة الفجر! قد يبدو هذا للقارئ الكريم غريبا، لكن هذا فعلا ما وقع!
عصيد أدار ظهره لجرائم إبستين والاتجار بالبشر والسجال العالمي حول الجزيرة المثيرة، ليتنقد الوعي الإسلامي ويصفه بالشقاء، ويتهم من يذكِّر المسلمين بأهمية صلاة الفجر بممارسة الوصاية على الأفراد، والتخلف عن “نمط الحياة الحديثة”.
هذا الخطاب وإن كان الكثير يضحك من سطحية فكر من يروجه، لا يعكس فقط جهلا مركّبا بحقيقة التدين في الإسلام، الذي يجمع بين العبادة والأخلاق والسلوك العام، بل يكشف انفصالا كاملا عن الواقع الاجتماعي للعالم والمغاربة.
الأخطر من ذلك أن هذا الصوت، الذي ينصّب نفسه واعظا ضد الوصاية، يتجاهل تاريخه المثير للجدل، وما ارتبط به من اتهامات وصراعات شخصية، من بينها ما صرّحت به الناشطة مليكة مزان في حوار صحفي حول تعرضها للعنف المادي على يد عصيد، في مفارقة تكشف ازدواجية فادحة بين الخطاب والممارسة، وبين الادعاء الحقوقي والواقع.
إن ما نعيشه اليوم ليس أزمة تدين، بل أزمة خطاب علماني مفلس، عاجز عن إدانة الجرائم حين تصدر عن مرجعيته الحضارية، وجريء فقط عندما يتعلق الأمر بالتدين، أو بالقيم الإسلامية، أو بالشعائر.
وإذ تسقط الأقنعة اليوم، يتأكد أن المشكلة ليست في صلاة الفجر ولا الأذان، ولا في عيد الأضحى أو شهر رمضان؛ بل إن أصل الداء يكمن في خطاب فقد بوصلته المعرفية والأخلاقية، خطاب لا يفتر أن يقدّم نفسه حداثيا وتحرريا، فإذا به ينكشف اليوم كغطاء ناعم لمنظومة قاسية تشرعن الانحراف وتبرر الاستغلال.
لقد ظهر للعيان أن مروّجي هذا الخطاب لم ولن يكونوا معنيين بكرامة الإنسان ولا بحماية الطفولة ولا بحقوق المرأة، بقدر ما كانوا يسوّقون لنزع الحصانة الأخلاقية عن المجتمع، وتفكيك الأسرة، وتجفيف منابع القيم، تمهيدا لتحويل الإنسان إلى كائن قابل للتوظيف والاستهلاك من الآلة الاقتصادية الغربية. ومع سقوط القناع، يتضح أن المعركة لم تكن يوما ضد الدين وشعائره، بقدر ما كانت ضد منظومة قيمية كانت تقف حجر عثرة أمام مشروع أخلاقي مشوَّه، يضع الشهوة فوق المسؤولية، والقوة فوق العدالة، والمصلحة فوق الإنسان.



