فضيلة الستر في زمن الفضائح

هوية بريس – شريف السليماني
“سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم”.. فضيلة الستر في زمن الفضائح
كثيرًا ما نُحذّر من الغيبة وخطورتها، ومن أكل لحوم الناس بالكلام، وهي من كبائر الذنوب التي تُفسد القلوب، وتهدم العلاقات، وتُنزع بها البركة. وقد قرّر الإسلام أن الأصل في المسلم حفظ اللسان، وستر العيوب، والكفّ عن تتبع الزلات.
ومع ذلك، فإن الشريعة -بحكمتها- بيّنت أن الغيبة محرّمة أصلًا، لكنها تُرخَّص في حالات ضيّقة جدًا، كحال الاستفتاء، أو التقاضي ورفع الظلم، أو التحذير من ضرر محقّق، أو التعريف بالوصف الذي لا يُعرف الشخص إلا به دون نية انتقاص. وهذه كلها استثناءات، لا يجوز أن تتحول إلى باب مفتوح للكلام في الناس.
ومن هذه الحالات أيضًا: حال من جاهر بالمعصية ولم يستتر، لا بمعنى إباحة الخوض في أعراض الخلق، بل من حيث سقوط دعوى الستر التي أبى صاحبها إلا أن يرفعها عن نفسه. ومع ذلك يبقى الأصل هو الكفّ، ولا يُذكر إلا بقدر الحاجة، ولغرض صحيح، لا تشفّي فيه ولا فضيحة.
غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن هنا، بل في فقدان نعمة الستر نفسها.
الستر مع الله… مقام عظيم
يُصوّر لنا النبي ﷺ مشهدًا مهيبًا من مشاهد الآخرة، حين يُدني اللهُ المؤمنَ منه يوم القيامة، ويضع عليه كنفه، فيقرّره بذنوبه:
فعلتَ كذا يوم كذا، وفعلتَ كذا يوم كذا…
حتى إذا أقرّ ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال له ربّه جلّ وعلا: «سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم».
مشهد ليس فيه فضيحة ولا تشهير، بل ستر ومناجاة ورحمة. وهو مقام لا يُعطى لكل أحد، بل لمن حفظ ستر الله عليه في الدنيا.
وهنا نفهم أن ستر الإنسان لنفسه ليس نفاقًا، بل غالبًا ما يكون دليل حياة القلب، وإحساسًا بخطورة الذنب، وخجلًا من الله، وتعظيمًا لأمره. ولهذا قال بعض السلف: «معصية أورثت ذلًّا وانكسارًا، خير من طاعة أورثت عزًّا واستكبارًا».
الستر خُلُق يتعدّى إلى الآخرين
ولا يقف الستر عند حدود النفس، بل هو خُلُق اجتماعي دعا إليه الإسلام. قال النبي ﷺ: «من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة».
فالستر يحفظ المجتمع، ويغلق أبواب الشر، ويُبقي باب التوبة مفتوحًا.
وفي المقابل جاء التحذير الشديد من تتبع العورات، فقال ﷺ: «لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإن من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته».
فمن أحبّ كشف الناس، عُوقب بنقيض قصده.
خطورة الجهر بالمعاصي
الجهر بالمعصية ليس ذنبًا شخصيًا فحسب، بل مفسدة متعدّية:
يفتح باب الغيبة بعد أن كان مغلقًا.
يُطبّع المنكر، خاصة إذا صدر من صاحب مكانة أو قدوة.
يُشوّه السمعة، لا لصاحبه فقط، بل لأسرته ومن حوله.
ويُعقّد طريق التوبة؛ إذ كم من إنسان أراد الرجوع، لكن ماضيه الذي عُرف به صار سيفًا يُشهَر في وجهه كلما خطا خطوة إلى الله.
وفوق ذلك كله، فإن إشاعة المنكر خطر عظيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقفة مع نعمة الستر
وقبل أن يتجرأ أحدنا على فضح الناس أو تتبع عوراتهم، فليسأل نفسه بصدق:
ماذا لو رفع الله عني ستره؟
ماذا لو كُشفت عيوبي للناس؟
إنها نعمة عظيمة أن يستر الله عباده، وهو الستير الذي يستر الذنب، ويؤخّر العقوبة، ويفتح باب التوبة. ولولا ستر الله علينا -والله- لما استطاع أحدنا أن يعيش بين الناس. ولعلّ من رحمة الله بنا أن الذنوب ليست لها رائحة؛ فلو كان لها ريح تُشمّ، ما استطاع أحد أن يجلس إلى أحد، ولا أن يقف إلى جانبه.
فإذا كنا نحبّ الستر لأنفسنا، ونرجوه من ربنا،
فلنحبه لغيرنا أيضًا،
ولنغلق أبواب الفضيحة، ونفتح أبواب الرحمة،
لعلّ الله أن يسترنا يوم نلقاه.



