في بشاعة الرأسمالية.. إعادة إنتاج التوحش في فترات الاحتضار

هوية بريس- محمد زاوي
دخلت الرأسمالية فترة انحطاطها منذ نهاية القرن 18 م، أي منذ الفترة التي انتقلت فيها البورجوازية الأوروبية من ثوريتها الليبرالية إلى مرحلة جديدة من تركيم رأس المال الأولي عن طريق الاستيلاء على حقوق الغير و”تشكيل الاستعمار” والنهب الوحشي واللاإنساني لفائض القيمة.. فمنذ ذلك الحين لم تهدأ البشرية ولم تعرف استقرارا، رغم تقدم التكنولوجيات والمواصلات وتحسين وسائل العيش.. من “تشكيل الاستعمار” إلى الحربين العالميتين، ثم الكساد الكبير، فالأزمات الاقتصادية، فالحروب الإقليمية، فالثورات الملونة.. عقود -بل قرون- من الإخضاع والتعسف والنهب والاستغلال والعدوان لم تخرج البشرية من حلقتها التي تكاد تكون “مفرغة” إلى اليوم..
أما واقع عالمنا اليوم فهو يدل دلالة واضحة على “الوجود الاجتماعي” المحتضَر لرأسمالية هذا العصر، ومن تجليات ذلك انتقالها -إلى حد بعيد- من “رأسمالية الإنتاج” إلى “رأسمالية الأموال”، ومن مبادلات القيم (القيم التبادلية) إلى مبادلات الأوراق النقدية.. من شأن هذا الانتقال أن يفنيها، وقد أدخلها مرحلة من الاحتضار يستعصي فيها الإنقاذ، وكأننا أمام تحول كبير جعل الاقتصاد العالمي بين كفي عفريت يستعصي رصده وتقييمه، هو الرأسمال المالي.. يُنتج هذا الرأسمالُ المالَ من المال (ربا البنوك/ الكازينوهات/ الاستثمارات بالفائدة/ القروض الدولية/ الخ)، أو من الأنشطة الكمالية أو الثانوية أو البذيئة (الاستثمار في الرياضات والفنون/ القمار/ الدعارة/ الخ)..
لم ينتبه أرباب الرأسمال العالميين إلى قاعدة مهمة في استمرار أي نظام اجتماعي وهي تلبية الحاجات الرئيسية، وكلما ابتعد هذا النظام عن ذلك، أي كلما أعطى الربح أولوية قصوى في حركيته الرأسمالية، كلما عجل بنهايته و”حفر قبره” بتعبير روجي غارودي.. وحيث كانت الرأسمالية تفر من تناقضها المزمن (“الطابع الجماعي للإنتاج والطابع الفردي لملكية وسائل الإنتاج”)، ومن أزماتها المتعاقبة (بما في ذلك كسادها الكبير على مرحلتين: فترة الحرب العالمية، وفترة كورونا وهي مستمرة إلى اليوم)؛ حيث كانت تفر من هذا الواقع كانت -وما زالت- تؤسس لواقع أكثر مأزومية يهدد النظام الاجتماعي الرأسمالي ككل.
أصبحت الرأسمالية “إلها” خالدا لدى كثير من الناس، لدى عامتهم وخاصتهم، وقد ساهمت في ذلك عدة عوامل، لعل أبرزها: سيطرتها الاقتصادية والثقافية والسياسية بشكل غير مسبوق لم تعرفه أنظمة اجتماعية سابقة، وفشل وإفشال بعض التجارب السياسية والاجتماعية النقيضة للنظام الاجتماعي الرأسمالي، والتكذيب الواقعي لبعض التنبؤات السياسية والاجتماعية وإن كانت هذه التنبؤات مرتبطة بتجارب وفترات خاصة ولا تنفي انتقالها إلى تجارب وفترات أخرى.. إلا أن الرأسمالية تعرف ما يهددها أكثر من غيرها، وهو أقرب إليها من حبل الوريد. ولذلك نجدها تسارع الزمن للخروج من أزمتها بالربح على حساب الإنسان، بل على حساب القواعد البديهية للإنتاج.. وكلما فعلت ذلك عجلت بتفاقم أزماتها، فرأتها رأي العين..
إن عملها على “إفساد الإنسان” يدخل في نفس الإطار؛ فهو من جهة نتاج مباشر ومنتظر لسيولة الرأسمال المالي (سيولة القيم والعقائد والأخلاق والعيش من سيولة هذا الرأسمال)، وهو من جهة أخرى صناعة رأسمالية تستهدف “قوة العمل” حتى لا تتفاقم كنقيض في ظل تفاقم أزمات الرأسمالية.. المفارقة أن الرأسمالية وهي تنتج السيولة الاقتصادية والأخلاقية، لا تنتبه إلى حقيقة غاية في الخطورة وهي أنها تنتج الوحش الذي يلتهمها.. تنتج الاقتصاد السائل الذي يفاقم أزمتها الاقتصادية، وتنتج الأخلاق السائلة (إذا أردنا استعمال مصطلح زيغمونت باومان) التي تفكك سيطرتها السياسية والعلمية وقدرتها على الضبط الاجتماعي.. كأنها تتجه نحو حتفها مجبرة تحت سياط التهديد الاقتصادي والاجتماعي..
إن الأمراض الأخلاقية للعصر، كالشذوذ الجنسي والاستهلاك الفاحش والاغتراب عن الطبيعة/ الفطرة، هي في حقيقتها حمالة وجهين: سلوك رأسمالي ووسيلة من وسائل ضبطه السائلة.. وبالتالي فكل فظاعة وبشاعة أخلاقية وقيمية ولا إنسانية تريد الرأسمالية تبليد وتطويع الإنسان وإخراجه من عملية التاريخ من خلالها، كانت في بداية الأمر سلوكا رأسماليا خالصا مورس ببشاعة في أوساط كبار الرأسماليين القادرين على شراء الجزر والعيش في أعالي البحار والمحيطات، والذين يبحثون اليوم عن أماكن للعيش في الكواكب البعيدة.. كل ما في الأمر أن الرأسمالية تعيش مرحلة احتضارها وتناقضاتها الكبرى والنتنة، ولذلك تسرَّب الملفات، كما تنتقل الفظاعات الأخلاقية إلى “عيال الله” الأبرياء من نهب البشر.



