قول في الركن الأعظم للجهاد في سبيل الله

05 يناير 2026 15:45

هوية بريس – د.ميمون نكاز

تعيش الإنسانية زمن الاستكبار السياسي والتغول الأمني والانتهاب الاقتصادي على تخوف من أشتاتها، وفي مشهد منها وتصامت، ذاك بعض ما قلته في حديث مع أحد الباحثين في الدكتوراة، كان قد اتصل بي بالأمس يستشيرني في بعض مسائل رسالته، ومن عجيب موافقات الأقدار أن مما قرأه الإمام فجر هذا اليوم قول الله تعالى من سورة النساء: ﴿وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَـٰتِلُونَ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِینَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَاۤءِ وَٱلۡوِلۡدَ ٰ⁠نِ ٱلَّذِینَ یَقُولُونَ رَبَّنَاۤ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَـٰذِهِ ٱلۡقَرۡیَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِیّا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِیرًا، ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ یُقَـٰتِلُونَ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ یُقَـٰتِلُونَ فِی سَبِیلِ ٱلطَّـٰغُوتِ فَقَـٰتِلُوۤا۟ أَوۡلِیَاۤءَ ٱلشَّیۡطَـٰنِۖ إِنَّ كَیۡدَ ٱلشَّیۡطَـٰنِ كَانَ ضَعِیفًا﴾ [النساء:75-76]، فقد تداعت في النفس من آفاق معانيها بعد الانصراف من الصلاة الإفادات التالية:

الإفادة الأولى: الركن الأعظم في الجهاد هو “ركن التحرير”، تحرير الإنسانية من “الاستضعاف”، من كل أجناسه وأنواعه وأشكاله…

الإفادة الثانية: لا تحرير للإنسانية من “الاستضعاف” إلا بالقطع والحسم مع علته الكلية المتمثلة في “الطاغوت” الأممي والدولي أو المحلي….

الإفادة الثالثة: القطع والحسم مع “الطاغوت” لا يتحقق إلا بالنفير العام -بمعنى القومة الإنسانية المقاومة لمشاريع الطغيان-، وذلك بنوعيه: (النفيرُ الثُّبَاتي) و(النفير الجَمِيعي) {فانفروا ثبات أو انفروا جميعا} [النساء:71]، “النفير الثُّبَاتي” بمعنى “تعديد المقاومات” و”تكثير أنواعها وأشكالها”، و”النفير الجَميعي” بمعنى “وحدة المقاومة واجتماع أشتاتها في اصطفاف جَمْعي”…

الإفادة الرابعة: ضرورة تجديد “فقه التحالف” وتطوير آلياته وتوسيع دوائره، وتحويله إلى “استراتيجية إنسانية أممية” لمحاصرة آفة الطغيان والظلم والعدوان… فقد ثبت في السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم حضر قبل مبعثه بعشرين سنة حلفا لنصرة المظلوم بعد “حرب الفجار”، سمي حلف الفضول، قال فيه بعد مبعثه عليه الصلاة والسلام: (لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا مَا أَحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ، وَلَوْ أُدْعَى بِهِ فِي الْإِسْلاَمِ لَأَجَبْتُ)، قد قيل في سببه: أن رجلا مِنْ زَبِيدٍ قدِمَ مكَّةَ ببضاعة، وَاشتراها منه العاص بن وائلٍ السَّهْمِيُّ، وَحبس عنه حقه، فاستعدى عليه الأحلاف: عَبْدَ الدَّارِ ومَخْزُومًا وجُمَحًا وَسَهْمًا وعَدِيّاً، فلم يكترثوا له، (أقول: شأن كثير من الدول والأنظمة كشأن هذا القبائل حين تدعى إلى مواجهة الطغيان الأمريكي)، فَعَلَا جبل أَبي قُبَيْسٍ وَنادى بِأشعَارٍ يصف فيها ظُلَامَتَهُ رافعا صوته، فمشى في ذلك الزبيرُ بن عبد المطلب وقال: مَا لِهَذَا مَتْرَكٌ؟ فكان حلف الْفضول…

الإفادة الخامسة: ما علا طاغوت وما استكبر إلا بإعماله لآلية “تفكيك الإرادة الإنسانية على مقاومته”، يسميها الوحي الشريف في عرفه اللساني “تشييعا” للقدرة الإنسانية، كما في الآية المعلومة: {إِنَّ فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِی ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلَ أَهۡلَهَا شِیَعا یَسۡتَضۡعِفُ طَاۤئفَة مِّنۡهُمۡ یُذَبِّحُ أَبۡنَاۤءَهُمۡ وَیَسۡتَحۡیِۦ نِسَاۤءَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِینَ} [القصص:4]، فقد نصت الآية الحكيمة على عِلِّيَّة “تشييع الإرادة والقدرة” -بمعنى التفكيك والتفتيت- لكل طغيان واستضعاف، فلا استضعاف إلا بتشييع، إذ هو شرط ومطلب في كل استضعاف، وهو الحال القائم الجاري في الطغيان الأمريكي اليوم…

الإفادة السادسة: الشرط الديني في “مقصد التحرير من الاستضعاف” الذي ألمحنا إلى كونه “الركن الأعظم” في تكليف الجهاد عدم التحيز فيه لمعتبرات العقائد والأجناس والأعراق والثقافات، حيث الملحظ الأساس فيه هو “مقاومة الطغيان” أيا كان فاعله والقائم عليه، والمعتبر الأكبر فيه من حيث الغاية هو “الدفاع عن المسضعفين” من الرجال والنساء والولدان أنى كانوا، وأيا كانت مللهم أو نحلهم…

تلك أعظم الإفادات الدلالية لفريضة الجهاد، وذلك هو الناظم الكلي الجامع لمعنى “القتال في سبيل الله”… وإن شئت قلت: هو ذروة سنام معنى “إعلاء كلمة الله”… لأن ذلك هو المعبر السيار إلى قلوب الناس وأفئدتهم، حيث تُفَتَّحُ الأبوابُ وتُشَرَّع للإيمان والدخول في دين الله أفواجا، حيث تتجسد “قيمة موالاة الإنسان بروح الإسلام في مظالمه”…

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
6°
15°
الخميس
15°
الجمعة
15°
السبت
16°
أحد

كاريكاتير

حديث الصورة