كيف حرّف يوسف أبو عواد مفهوم الإسلام؟ (مهم وصادم في بيان زيف طرحه)

هوية بريس – شريف محمد جابر
يُكثر يوسف أبو عواد من الزعم بأنّه يعتمد على القرآن وآلية اللسان العربي لتحديد معاني المفاهيم المركزية في الدين. وسأكشف هنا أنّ ما يفعله تماما هو مخالفة القرآن واللسان العربي المبين، والاعتماد على مزاجه!
يرى يوسف أن “الإسلام” في القرآن يعني “أن يكفّ الإنسان شرَّه عن غيره” كما قال في مقطع له على يوتيوب بعنوان “ما معنى: ومن يشاقق الرسول؟” وكما يردّد في كثير من المقاطع.
ويزعم في مقال له بعنوان “الإسلام وفق الدراسة اللسانية التدبّرية للقرآن الكريم -الجزء الأول”- أنّ مفهوم الإسلام الشائع تولّد “من جعل الظنّي حَكَمًا على القطعي”، ويرى أنّه تم “تقزيم المفهوم الكبير للكلمة بسبب هذا الخطأ المنهجي الجسيم”، بل يسخر من مخالفيه من علماء الأمة ويسمّيهم في المقال “مقدّسو الفقه التراثي”!
فكيف يعرّف يوسف الإسلام عبر القرآن واللسان العربي؟
يقرّر أولا أنّ الإسلام مفهوم مركزي بعد ذكر قوله تعالى {إنّ الدين عند الله الإسلام} الآية، وقوله تعالى {ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}.
ثم يقول إنّه سيدرس استخدامات هذه المفردة في القرآن حيثما وردت، وإنه سيقارن ذلك بالمعنى المعجمي العام.
لكنّه عوضًا عن البدء بكلمة “إسلام” وتصريفاتها: أسلم، يُسلم، مسلم إلخ. بدأ بكلمة “سلم” وتناول الآيات التي تتحدث عن السلم المقابل للقتال، ثم أسقط دلالتها على بقية الأبنية! وهذا أول انحراف، وهو منهج غير علمي؛ إذ الأولى أنْ يبدأ باستقراء الآيات التي جاءت فيها كلمة “إسلام” أو الفعل منها “أسلمَ”، فهو: أسلمَ يُسلِمُ إسلامًا وهو مُسلِمٌ.
وفي الجزء الثاني من مقاله المذكور يطيل الشرح بكلام معروف بلا طائل كبير لتحديد معنى الإسلام، فيتحدث عن الإسلام العام (إسلام النبيّين) وعن خضوع الكون وما فيه ومن فيه لسنن الله، ويؤكد أنّه توصل إلى ذلك (الذي يعرفه كل علماء الأمة قديما وحديثا) استنادًا إلى “نحو النصّ” الذي نشأ منذ عقود قليلة! ولكنه يقفز إلى نتيجة عجيبة وهي “أنّ مفهوم (الإسلام) باعتباره دينًا هو الخضوع والتماهي مع سنن الله الكونيّة”، فلم يتطرّق إلى الخضوع لشريعة الله التي أنزلها في كتبه وعلى ألسنة رسله!
وأحبّ أن أؤكد عند هذه النقطة أنه يغالط حين يجعل مفهوم “الإسلام دين الأنبياء” مناقضًا لاعتبار المسلم هو من اتّبع نبيّنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم، فلا تعارُض في الحقيقة؛ فالإسلام هو الاستسلام لأمر الله عبادةً والانقياد لشرعه، وهذا كان حال الأنبياء جميعا وأتباعهم، وعند نزول الرسالة المحمّدية الأخيرة فإنّ هذا الإسلام نفسه يستلزم الانقياد لشريعة الله الناسخة للشرائع قبلها والتي أنزلها الله تعالى في كتابه، ومن يرفضها فهو غير مسلمٍ إسلامَ الأنبياء، هكذا بكل بساطة. لكنه يحاول جعل الأمر يبدو متعارضا لأنه يعرض أرباع حقائق!
وقبل أن يتباكى متابعو يوسف على وصف فعله “بالتحريف” في العنوان فليعلموا أنّه سمّى كل من خالفه من علماء الأمة في المقال بـ”الحارفين لمفاهيم النصّ عن دلالتها”!
وهكذا ينتهي الجزء الثاني من المقال الذي يتناول فيه “الإسلام وفق الدراسة اللسانية” بشكل صادم دون أن يستوفيَ الآيات التي وردت فيها كلمة “أسلم” وتصاريفها.
والحاصل أن الإسلام عند يوسف أبو عواد هو: “الخضوع والتماهي مع سنن الله الكونيّة” أو “كفّ الشر عن غيرك” كما يردّد في مواضع أخرى.
لكن هل هذا فعلا هو معنى الإسلام الشرعي في القرآن؟
سوف نستقرئ بعض الآيات التي جاءت فيها ألفاظ: الإسلام، إسلام، أسلِم، أسلمتُ، مسلمون، المسلمين (وهي التصاريف الأهم المبنية على قالب الفعل “أسلَمَ”) لنرى هل تتماشى مع ما يقوله؟ ثم سوف نرى ماذا قال أهل المعاجم الذين يرجع إليهم:
– قال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. وواضح من سياق الآية أنّه سياق تحليل وتحريم، فالإسلام هنا انقياد لِما شرع الله وهو حقيقة العبادة.
بل كيف يمكن له أن يتحدّث عن الإسلام وقد وصفه الله في هذه الآية وفي الآيات السابقة بأنه “دين”، والدين “جنس من الانقياد والذلّ” وهو “الطاعة، يقال: دان له يدين دينًا إذا أصحب وانقاد وطاع” كما يقول ابن فارس في “المقاييس”؟ فهي تدلّ دلالة واضحة على المقصود، وهو طاعة الله فيما أحلّ وحرّم والانقياد لشرعه!
– وقال تعالى في المنافقين: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا}، وسياق الآية واضح أنه الإسلام المقابل للكفر، بل كفروا بقول كلمة الكفر، مما يؤكّد أن الإسلام المقصود هو الدين الذي أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلّم.
– وقال تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}. فالإسلام هنا لربّ العالمين، وهو إفراده سبحانه بالعبادة، فإبراهيم وصّى بكلمة الإسلام وكذلك يعقوب، وحين سألهم (ليطمئنّ على إسلامهم) {ما تعبدون من بعدي}؟ – والعبادة من الطاعة والخضوع والانقياد – أجابوا أنّهم يعبدون الله وحده وهم له مسلمون، أي استسلموا له ولم يتّخذوا معه شركاء.
– وتدبّر هذا السياق الواضح: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}. فمن الواضح أنّ الصراط المستقيم هو الدين وهو إفراد الله بالعبادة وضدّه الشرك، ثم ذكر بعض الشعائر التعبّدية الأساسية كالصلاة والنسك بل منهج الحياة كلها حتى الممات، وأنّها ينبغي أن تكون خالصة لله سبحانه، لا يُشرَك معه فيها غيرُه، وبهذا يصير المرء مسلمًا {وأنا أول المسلمين}.
– وأخيرا هذا السياق الرائع من أواخر سورة الحج: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَـٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ}. فتأمّل ما جاء قبل تسمية المسلمين من أوامر من “الدين” لم يجعل الله فيها حرجًا علينا، ثم ما جاء بعد تسمية المسلمين ممّا يقتضيه الإسلام، فالآية كلها في الشعائر والشرائع.
من الواضح من هذه الآيات وغيرها كثير أن الإسلام الذي أمر الله به حقيقته إخلاص العبادة لله والانقياد لشرعه. وحتى إذا كان “الإسلام” في اللغة يعود إلى جذر “سلم” الذي يعود معناه إلى الصحة والسلامة والعافية، أو التعرّي من الآفات الظاهرة والباطنة، فإنّ “الإسلام” في القرآن يحمل معنى شرعيًّا خاصًا واضحًا وهو ما ذكرناه، وهذا المعنى مرتبط بدلالة الجذر اللغوي، فهو تعرٍّ عن آفات الشرك وسلامة من عبادة غيره سبحانه، وهكذا يكون فهم الإسلام بلسان القرآن.
أمّا كفّ الشر فهو من مقتضيات الإسلام كما هو حال جميع الشرائع بما فيها من قيم وأخلاق وأحكام. والعجيب أنّ يوسف الذي يتّهم العلماء بتغليب تراث الروايات الظنية على القرآن القطعي يستدلّ في مقطع على يوتيوب بعنوان “من هو المسلم حقّا؟” بحديث نبوي ليؤكّد مفهومه، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”. ولم يستقرئ ذكر “الإسلام” أو من هو “المسلم” في الأحاديث، فانتقى ما يتوافق مع مزاجه.
وهذا الحديث هو من باب تعريف الإسلام بأحد مقتضياته، كمن يقول: الشجاع هو من لا يفرّ من المعركة. فهذا أحد مظاهر الشجاعة، وأشمل منه: الشجاع هو من لا يخشى سوى الله، فاندرجت تحته مظاهر كثيرة للشجاعة! ولو أنّه أعمَل منهج الاستقراء وجمع أطراف الرواية لقرأ في صحيح البخاري: “قالوا: يا رسول الله! أيّ الإسلام أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده”. فالحديث ليس عن “حقيقة” الإسلام!
وفي حديث آخر في صحيح البخاري: “أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلّم: أيّ الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفتَ ومن لم تعرف”. فهذه الأحاديث من باب بيان بعض مقتضيات الإسلام المهمة مع مراعاة حال السائل.
أما سخريته من تعريف الإسلام في حديث المباني الخمس وأنه ليس الإسلام الذي في القرآن، فقد جهل أن أوّل ركن منها تندرج تحته جميع الأركان، وهو “شهادة أن لا إله إلا الله”، وهو التوحيد، وهو إفراد الله بالعبادة، وهو حقيقة الإسلام كما جاء في القرآن!
ولو جمع إلى جانبها روايات أخرى للحديث نفسه لوجد ذلك واضحًا، ففي رواية لحديث “بني الإسلام على خمس” يذكر أولها: “على أن يوحّد الله”، وفي رواية: “على أن يعبد الله ويكفر بما دونه”، وفي رواية: “شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمّدا عبده ورسوله”. والروايات الثلاث في صحيح مسلم! وفي حديث جبريل الشهير جاء تعريف الإسلام هكذا: “الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصلاة وتؤدّي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان”. وهذا منسجم مع الآيات التي ذكرناها.
والآن، بعد أن ظهرت معاندة يوسف لمعنى الإسلام في القرآن، وجهله في التعامل مع الحديث النبوي، فلنر ماذا قال أهل اللغة والمعاجم عن معنى الإسلام؟ بمن فيهم أولئك الذين ينصح بهم ويرجع إليهم لمعرفة معاني المفردات (ابن فارس وابن سيده والراغب الأصبهاني).
هل قال أحد منهم إنّ الإسلام الشرعي الذي أمر به الله عزّ وجلّ في كتابه هو “كفّ الشرّ”؟ أم عرّفوه كما عرّفه المفسّرون والعلماء وكما جاء في الأحاديث؟
– الخليل بن أحمد الفراهيدي (170 هـ) في “العين”: “والإسلام: الاستسلام لأمر الله تعالى، وهو الانقياد لطاعته، والقبول لأمره”.
– النحّاس (338 هـ) في “معاني القرآن”: “الإِسلامُ في اللغة: الخضوعُ والانقيادُ، ومنه استسلمَ الرجلُ. فمعنى أسلَمَ: خَضَع وقَبِلَ ما جاء به محمدٌ صلّى الله عليه وسلم”.
– الأزهري (370 هـ) في “تهذيب اللغة”: “وأما الإسلام فإن أبا بكر محمد بن بشار قال: يقال: فلان مسلم، وفيه قولان: أحدهما: هو المستسلم لأمر الله، والثاني: هو المخلص لله العبادة، من قولهم: سَلَّم الشيء لفلان، أي: خلّصه، وسَلِم له الشيء، أي: خلُص له”.
– الصاحب بن عباد (385 هـ) في “المحيط في اللغة”: “والإسلام: الاستسلام لأمر الله والانقياد لطاعته. ويقولون: سلمنا لله ربنا: أي استسلمنا له وأسلمنا. والسلم أيضا: الإسلام. والمسلم: المستسلم”.
– الجوهري (393 هـ) في “الصحاح”: “وأَسْلَمَ، أي دخل في السَلْمِ، وهو الاستسلام. وأَسْلَمَ من الإسلام”.
– ابن فارس (395 هـ) في “مقاييس اللغة”: “ومن الباب أيضا الإسلام، وهو الانقياد؛ لأنه يَسلم من الإباء والامتناع”.
– الراغب الأصبهاني (من القرن الرابع الهجري) “مفردات ألفاظ القرآن”: قال بعد أن ذكر الإسلام الذي يعصم من الدم وهو الإقرار: “وهو أن يكون مع الاعتراف اعتقاد بالقلب، ووفاء بالفعل، واستسلام لله في جميع ما قضى وقدر، كما ذكر عن إبراهيم عليه السلام في قوله: {إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين}، وقوله تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام}، وقوله: {توفني مسلما}، أي: اجعلني ممن استسلم لرضاك، ويجوز أن يكون معناه: اجعلني سالما عن أسر الشيطان حيث قال: لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين، وقوله: {إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون} أي: منقادون للحق مذعنون له. وقوله: {يحكم بها النبيون الذين أسلموا}، أي: الذين انقادوا من الأنبياء الذين ليسوا من العزم لأولي العزم الذين يهتدون بأمر الله ويأتون بالشرائع”.
– ابن سيده (458 هـ) في “المحكم والمحيط الأعظم”: “والإسلام والاستسلام: الانقياد، والإسلام من الشريعة إظهار الخضوع وإظهار الشريعة والتزام ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك يحقن الدم ويستدفع المكروه”.
– الزمخشري (538 هـ) في “أساس البلاغة”: “وأسلم لأمر الله وسلَّم واستسلم”.
– ابن منظور (711 هـ) في “لسان العرب”: “والإسلام والاستسلام: الانقياد. والإسلام من الشريعة: إظهار الخضوع وإظهار الشريعة والتزام ما أتى به النبي”.
وكما قال أهل اللغة والمعاجم قال أهل التفسير (ومنهم لغويّون وأدباء). قال الطبري (310 هـ) في تفسير {إنّ الدين عند الله الإسلام}: “وهو الانقياد بالتذلل والخشوع، والفعل منه: “أسلم” بمعنى: دخل في السلم، كما يقال: “أقحط القوم”، إذا دخلوا في القحط، “وأربعوا”، إذا دخلوا في الربيع؛ فكذلك “أسلموا” إذا دخلوا في السلم، وهو الانقياد بالخضوع وترك الممانعة”.
فهل هؤلاء جميعًا من أهل اللغة واللسان وقبلهم الصحابة والتابعون وتابعوهم من الأئمة الكبار جهلة لم يعرفوا ما هو الإسلام حتى جاء معاصِر يخطئ في أبجديّات النحو والصرف ليعرّفنا ما هو؟! هل هذا ما يقوله العقل العلمي؟!
فالخلاصة أنّ يوسف أبو عواد لم يوافق القرآن كما قدّمنا، ولا هو وافق اللسان العربي المبين، وذلك في معنى مفهوم مركزي في الدين وهو “الإسلام”، بل اخترع معنى جديدًا ثم تترّس – زيفًا وخداعًا – بالقرآن واللسان وهما بريئان منه كما تبيّن! وقس على ذلك سائر المفاهيم التي يقدّمها كالإيمان والعبادة والشرك وغيرها، فعند تتبّعها بهذا المنهج يظهر زيف طرحه.
ولا أجد أبلغ في وصف هذه الحالة من قول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ}.



