كيف نتجنب الغيبة؟.. طريق عملي لحفظ اللسان وسلامة القلب

10 يناير 2026 23:29

هوية بريس – شريف السليماني

كثير من الناس يظن أن القرب من الله يُقاس فقط بكثرة الصلاة، أو طول الصيام، أو عدد الختمات، وأن العبادات الشكلية كافية للدلالة على صلاح الإنسان واستقامته.

غير أن هذا التصور ناقص؛ لأن ميزان القرب من الله لا يقوم على الشعائر وحدها، بل يقوم -وبقوة- على حفظ اللسان.
فاللسان في الإسلام ليس أمراً هامشياً، بل هو جزء من العمل الصالح، تُكتب كلماته كما تُكتب الركعات، ويُحاسب عليها كما تُحاسب الجوارح.

وقد حذّر القرآن تحذيراً شديداً من الغيبة، فقال الله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾

تشبيه صادم، مقصود، ليجعل الإنسان ينفر من الغيبة قبل أن يقع فيها.

وهم «القلب الطيب»
من أخطر المبررات الشائعة للغيبة قول بعض الناس:
«لساني ليس جيداً، لكن قلبي طيب».
وهذا الزعم في حقيقته مدخل خطير؛ لأن اللسان ترجمان القلب، وما يفيض على اللسان إنما يخرج من الداخل.
الغيبة غالباً ليست زلّة لسان فقط، بل انعكاس لمرض قلبي: حقد، أو حسد، أو استعلاء، أو تشفٍّ.
لو كان القلب سليماً، لما استلذّ صاحبه بالكلام في الناس.

استحضار الإفلاس الحقيقي
من أقوى ما يعين على ترك الغيبة استحضار ثمنها يوم القيامة.
فنحن نبذل جهداً كبيراً لنحصل على الحسنات: صلاة، صيام، صدقة، زكاة، وعبادات نخشى ألا تُقبل.
ثم تأتي كلمة واحدة في عرض إنسان غائب، فتكون سبباً في انتقال هذه الحسنات إليه.
هذا هو الإفلاس الحقيقي، لا إفلاس المال، بل إفلاس العمل.
ولهذا قال النبي ﷺ في معنى واضح:
إن المفلس من يأتي بحسنات، ثم تُؤخذ منه بسبب ما ظلم به الناس.

الغيبة ليست قوة بل ضعف
يظن بعض الناس أن الغيبة جرأة أو قوة شخصية، لكنها في حقيقتها علامة ضعف.
فالإنسان القوي لا يختبئ خلف غياب الآخرين، ولا يستغل غيابهم لينال من أعراضهم.
الشجاعة الحقيقية هي قول الحق بأدب، وبالطرق المشروعة، لا الطعن في الظهور.
أما الغيبة، فهي طريق سهل يسلكه العاجزون عن المواجهة العادلة.

ضع نفسك مكانه
من أنفع طرق علاج الغيبة أن يضع الإنسان نفسه مكان من يتكلم عنه.
كيف سيكون شعوره لو علم أن الناس يتناولون عرضه في غيابه؟
عن دينه، أو أسرته، أو أخطائه التي لا يحب أن تُذكر؟
وقد وضع النبي ﷺ ميزان الإيمان بوضوح فقال:
«لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
ومن تمام هذا المعنى أن يكره لأخيه ما يكره لنفسه.

المجالس تصنع الألسنة
كثير من الناس لا يقعون في الغيبة عن قصد، بل بالبيئة.
فالمجالس والرفقة تُشكّل العادات وتُدرّب الألسنة.
ومن هنا كان من الحكمة قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
«ذِكرُ اللهِ دواء، وذِكرُ الناسِ داء».
من أكثر الجلوس في مجالس الغيبة سيبدأ ساكتاً، ثم مستمعاً، ثم مشاركاً.
ولذلك، من أراد السلامة، فعليه أن يراجع مجالسه وعلاقاته وأولوياته.

الانشغال بالنفس قبل الناس
الله لم يكلّف الإنسان بمحاسبة الناس، بل كلفه بمحاسبة نفسه.
وكل واحد منا يحمل من العيوب ما هو أولى بالإصلاح من تتبع عيوب الآخرين.
الانشغال بالنفس يطفئ نار الغيبة،
ومن أصلح نفسه، استراح من الخوض في الناس.

ربك حاضر… وإن غاب الناس
قد يغيب من نغتابه، لكن الله حاضر لا يغيب.
وسيأتي يوم يقف فيه الإنسان مع من اغتابه بين يدي الله، فيُكشف المستور، ويُنصف المظلوم.
استحضار هذا المشهد وحده كفيل بأن يجعل اللسان يتراجع،
لأن بعض الكلمات لا تُحتمل إذا كُشفت أمام الله.

خاتمة
الغيبة ليست مجرد كلمات عابرة، بل طريق قد يقود إلى الإفلاس والخزي.

وحين يجتمع وعي القلب، وحفظ اللسان، ومحاسبة النفس، وحسن اختيار المجالس، يصبح ترك الغيبة سلوكاً طبيعياً لا مجاهدة ثقيلة.

فاللسان طريق…

فإما أن يقود إلى القرب،

وإما إلى الخسارة.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
8°
17°
الإثنين
18°
الثلاثاء
16°
الأربعاء
15°
الخميس

كاريكاتير

حديث الصورة