متى تتحقق العدالة الاجتماعية ببلادنا؟!

14 يناير 2026 19:24

متى تتحقق العدالة الاجتماعية ببلادنا؟!

هوية بريس – اسماعيل الحلوتي

ليس من تفسير واضح لتنامي الاحتجاجات ببلادنا خلال السنوات الأخيرة ومن ضمنها احتجاجات حركة “جيل Z”، التي قررت نقل احتجاجاتها من الفضاء الرقمي إلى الشارع العام ابتداء من يوم السبت: 27 شتنبر 2025، للمطالبة بتحسين الخدمات في قطاعي الصحة والتعليم والنهوض بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، مكافحة الفساد بمختلف أشكاله وتوفير فرص شغل مناسبة للعاطلين وخاصة خريجي الجامعات والمعاهد، وهي ذات المطالب التي ما انفكت ترفعها أحزاب المعارضة والمركزيات النقابية، آخر عدا أن الحكومات المتعاقبة على تدبير الشأن العام أخفقت جميعها في الوفاء بأهم الوعود التي قطعت على نفسها وفي مقدمتها تحقيق العدالة الاجتماعية

لذلك ظل ملك البلاد محمد السادس منذ اعتلاء عرش والده، يوجه اهتماماته الأساسية في اتجاه ضمان العيش الكريم لجميع المواطنات والمواطنين في المدن والقرى على حد سواء، وهو ما جعله يدعو في خطابه السامي يوم 31 يوليوز 2025 بمناسبة الذكرى 26 لاعتلاء عرش أسلافه المنعمين، إلى تسريع وتيرة مسيرة المغرب الصاعد، والحرص على إطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية، لاسيما في ظل إطلاق ديناميات حديثة بهدف تحقيق عدالة اجتماعية ومجالية أكبر، بما يساهم في ضمان استفادة كافة المواطنين المغاربة من ثمار التنمية، وتكافؤ الفرص بين أبناء مغرب موحد في مختلف الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

كما لم يفت جلالته في خطابه السامي الذي ألقاه أمام البرلمان بغرفتيه الأولى والثانية خلال يوم: الجمعة 10 أكتوبر 2025 بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية للبرلمان، أن يشير إلى أن مستوى التنمية المحلية هو المرآة الصادقة التي تعكس بوضوح تام مدى تقدم المغرب الصاعد والمتضامن، معتبرا أن العدالة الاجتماعية ومحاربة الفوارق المجالية، لا ينبغي أن تظل مجرد شعار فارغ أو أولوية مرحلية يمكن أن تتراجع أهميتها في أي وقت وحين حسب الظروف، بقدر ما ينبغي أن تكون توجها استراتيجيا وعلى جميع الفاعلين الالتزام به، ورهانا مصيريا يجب أن يحكم مختلف السياسات التنموية، وأكد في ذات الوقت على أن التوجه نحو تحقيق العدالة الاجتماعية يتطلب تعبئة جميع الطاقات…

فما المقصود بالعدالة الاجتماعية التي كثر الحديث حولها منذ أن قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2007 جعل العشرين من شهر فبراير من كل سنة يوما عالميا للاحتفال بها، خاصة أن واقع العدالة الاجتماعية يتحدد عبر معدلات الفقر والبطالة وحقوق الإنسان ومؤشرات التمييز من عدمه إلى جانب نسبة محتكري الثروة وكيفية توزيعها؟ إن مفهوم العدالة الاجتماعية يشير إلى مدى تحقيق المساواة والتوزيع العادل للموارد والفرص بين سائر أفراد المجتمع، إذ لا يمكن أن تتحقق دون حصول جميع المواطنات والمواطنين على حقوقهم الأساسية من تعليم جيد وصحة حقيقية وعمل مناسب وسكن لائق، بصرف النظر عن وضعهم الاجتماعي أو الاقتصادي، فضلا عن تمكين الأفراد  من المشاركة الفعالة في صنع القرارات ذات التأثير الإيجابي على حياتهم العامة، وتهدف إلى الحد من معدلات الفقر والبطالة  وتحسين ظروف عيش المواطن وصون كرامته، تمتين ركائز الاستقرار الاجتماعي والحفاظ على تماسك المجتمع، وتعزيز التنمية الشاملة والمستدامة.

ويشمل مفهوم العدالة الاجتماعية جميع جوانب وأبعاد النظام السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي والحقوقي والإنساني، وفي حالة ما إذا اختل عنصر من هذه العناصر، فإن هذا يعني أن العدالة الاجتماعية هنا تشكو من عيب صارخ، وبالتالي تتعطل التنمية الشاملة والمستدامة. وتعود أصول العدالة الاجتماعية إلى الأديان السماوية الثلاثة التي شددت جميعها على ضرورة تحقيقها، باعتبارها قيمة إنسانية وأخلاقية مهمة وضرورية في نهضة المجتمعات وبناء الدول الراشدة والصاعدة. حيث لا يمكن للسلم الاجتماعي أن يستقيم في غياب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، التي تقوم على المساواة والتكافل واحترام حقوق الإنسان وكرامته.

من هنا يتضح جليا أنه من الصعب جدا بناء الدولة الاجتماعية التي طالما تغنى بها رئيس الحكومة عزيز أخنوش على أسس متينة ووفق الرؤية المتبصرة لملك البلاد محمد السادس، في غياب إرادة سياسية قوية وسياسات عمومية ذات طابع اجتماعي، تهدف إلى توفير الخدمات الاجتماعية الضرورية، ضمان العيش الكريم لسائر المواطنين، وحماية الفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة في المجتمع، تلك التي يتطلب وضعها المالي أو الصحي أو الاجتماعي دعم الدولة المباشر مع ما يلزم من عناية لها.

إننا لا ننكر أن هناك عدة تحديات كبرى تحول دون تحقيق العدالة الاجتماعية على الوجه الأكمل، يرتبط أكثرها وأهما بتراكمات تاريخية وإشكالات سياسية وجغرافية وتنموية، لكن هذا لا ينبغي أن يتخذ كذريعة ولا يعفي الدولة من القيام بواجباتها في الحرص على تمتيع المواطنين بكامل حقوقهم الأساسية سواء منها الاقتصادية أو الاجتماعية المتعلقة بالعيش الكريم، والصحة والتعليم والشغل والسكن وغيره، في ظل المساواة ودون أدنى تمييز في الحقوق كما في الواجبات، وفي الحصول كذلك على المنافع والمكاسب، بعيدا  عن مظاهر المحسوبية والزبونية والرشوة وكل ما يؤدي إلى الشعور بالتذمر والإحباط والحيف والتهميش والحكرة…

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
10°
15°
الخميس
14°
الجمعة
13°
السبت
13°
أحد

كاريكاتير

حديث الصورة