مغزى ابتداع مصطلح “الصلاة الحركية”

مغزى ابتداع مصطلح “الصلاة الحركية”
بقلم أحمد الشقيري الديني
كثر الترويج لمصطلح “الصلاة الحركية” في مواقع التواصل الاجتماعي؛ فما معنى هذا المصطلح ؟ وما مغزاه؟ وما سبب نحته ؟ولماذا الترويج له؟!
هذا ما نحاول مقاربته في هذا المقال.
يراد ب”الصلاة الحركية”هذه الصلاة التي يقيمها المسلمون في مساجدهم وأسواقهم وبيوتهم منذ نزول الوحي على نبيهم صلى الله عليه وسلم يأمرهم بها.
وسبب تسميتها بالحركية كونها تشمل على حركات القيام والركوع و السجود ورفع اليدين والجلوس.
فالذين نحتوا هذا المصطلح هم منكرو السنة النبوية الذين يسمون أنفسهم “القرآنيون” نسبة إلى الاعتراف بوحي القرآن دون بيانه المعروف بالسنة؛ ابتدعوا مصطلح “الصلاة الحركية” بعدما حاصرهم أهل السنة والجماعة وأحرجوهم بشأن كيفية أداء الصلاة التي بأمر بها القرآن؛ فمن المعلوم أن أول إشكال يتوجه إلى من يسمون أنفسهم “القرآنيون” هو كيفية الصلاة، لأن القرآن الذي يزعمون أنهم مقرين به يحث على إقامة الصلاة دون تفصيل كيفيتها، بينما السنة نقلت كيفيتها بالأسانيد الصحيحة بجميع أفعالها وأقوالها، شروطها وأركانها..والقرآن نفسه يأمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم!
كان هذا السؤال الموجه لعصابة “القرآنيين” يحرجهم ولا يجدون له جوابا، فراحوا يبحثون عن المعنى اللغوي للصلاة فرارا من المعنى الاصطلاحي، فاكتشفوا أن الصلاة موجودة في جميع الأديان، سماوية كانت أو مخترعة مثل البوذية وغيرها، وأنها عبارة عن تأمل واتصال بالخالق أو تفكر في الكون أو دعاء من غير حاجة للركوع والسجود..!
هكذا ظنوا أنهم أجابوا عن إشكال كيفية الصلاة المأمور بها في القرآن.
ونتج عن هذا الوهم والفهم السقيم أن اخترع عدد من منكري السنة النبوية نماذج للصلاة، بعضهم سماها “الصلاة القرآنية” يعني استخرجها من القرآن ، وهذا ما قدمه المسمى العديرقاوي في سلسلة على اليوتوب يكذب فيها على الله ورسوله، وهو أحد مشاهير خريجي مدرسة الهالك شحرور الذي أضل جبلا من الناس من خلال تقديم ما سماه “قراءة معاصرة” للقرآن تقوم على تقسيم القرآن إلى جزر سماها الكتاب والفرقان والقرآن والسبع المثاني دون مراعاة للسياق الذي يفرض تداخل المعاني وعدم فصلها.
ولنعد لما نحن بصدده، فالذين ابتدعوا مصطلح “الصلاة الحركية” تمييزا لها عن “الصلاة القرآنية” بزعمهم فرارا من الإقرار ببيان السنة النبوية وتفصيلها لمجمل القرآن، هؤلاء لم ينتبهوا أن القرآن ينص في كثير من الآيات على القيام و الركوع و السجود!
فلننظر إلى المعنى اللغوي للسجود والركوع كما هو في لسان العرب لنبين لهؤلاء المبتدعة ومن سار وراءهم أن القرآن واللسان لا يسعفهم في ما ذهبوا إليه.
فالصلاة أقوال (تلاوة قرآن وتكبير وتسبيح ودعاء) وأفعال (قيام وركوع وسجود)
قال تعالى مخاطبا عباده في خاتمة سورة الحج: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون).
فالصلاة عماد الدين لا يمكن أن تخفى على المسلمين الذين اعتنوا بها وتوارثوا صفتها جيلا بعد جيل منذ أربع عشرة قرنا ، وبنيت لأجلها ملايين المساجد، يدعى إليها خمس مرات في اليوم والليلة؛ في القارات الخمس.
فهل يخفى أمر بهذه الأهمية والوضوح والانتشار والتطابق؟!
وهل يعقل أن يأتي اليوم من يحدثنا عن “صلاة حركية” تنقيصا لفضلها وعظمتها مقابل صلاة أخرى غير حركية مبتدعة؟!
وهل هذا إلا مشاقاة لله ورسوله واتباع غير سبيل المومنين، كما قال تعالى:( وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا).
وإليك بعض ما جاء في القرآن عن السجود والركوع، قال تعالى مخاطبا السيدة مريم عليها السلام: (يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين)
ومعنى ركع في لسان العرب انحنى وطأطأ رأسه؛ فالراكع هو المنحني في قول لبيد. وكل شيء ينكب لوجهه فتمس ركبته الأرض أو لا تمسها بعد أن يخفض رأسه فهو راكع.
فالقرآن ولسان العرب يقودان لنفس معنى الركوع في السنة النبوية التي هي البيان التفصيلي لأمر الله بإقامة الصلاة؛ ولا يزيغ عنها إلا هالك كما وصفهم الحق سبحانه في القرآن الذي يعترفون به: (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون، ويل يومئذ للمكذبين)
وكذلك السجود في لسان العرب يأتي بمعنى وضع الجبهة على الأرض إظهارا للخضوع المقرون بالتعظيم الذي هو حقيقة العبودية والاقتراب من الله، كما قال سبحانه في آخر سورة الفلق (فاسجد واقترب)..
فالقرآنيون المنكرون للسنة كافرون بالقرآن والسنة ولسان العرب، متبعون لأهوائهم، ضالون مضلون لايقتدي بهم إلا هالك..!
لكنهم في غياب أهل العلم، يحتلون مواقع التواصل الاجتماعي، وينفثون سمومهم، ويروجون لضلالهم بين جيل لم يتسلح بتكوين شرعي متين، في مرحلة انشغل فيها الإسلاميون بالعمل السياسي على حساب العمل الدعوي وتركوا فراغا رهيبا بعيث فيه الضالون فسادا!
وإذا استمر الأمر على هذه الوتيرة في ذهول للقائمين على الشأن الديني فانتظر جيلا لا يعرف شيئا عن أركان دينه لتتحقق نبوءة الذي لا ينطق عن الهوى؛ ففي الحديث الصحيح الذي رواه الحافظ ابن حجر وغيره نبوءة عن تلاشي أحكام الشريعة وأركان الإسلام في آخر الزمان؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم:(يَدرُسُ الإسلامُ كما يدرسُ وَشيُ الثَّوبِ حتَّى لا يدرى ما صيامٌ ولا صلاةٌ ولا نسُكٌ ولا صدقةٌ ويسرَى على الْكتابِ في ليلةٍ فلا يبقى في الأرضِ منْهُ آيةٌ)
هذا دون إغفال مجال أشد خطورة ، يشتغل فيه دعاة على أبواب جهنم، يزعمون التقريب بين الديانات السماوية الثلاث : الإسلام والمسيحية واليهودية تحت مسمى “الديانة الإبراهيمية” تروج لها الإدارة الأمريكية غايتها القبول بالاحتلال الصهيوني باعتبار اليهود إخوة لنا نلتقي وإياهم في جدر جدنا المشترك نبي الله إبراهيم عليه السلام وهو منهم براء (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما ولم يك من المشركين).



