من الصعود الغامض إلى السقوط المدوي: القصة الكاملة لقضية جيفري إبستين

هوية بريس – علي حنين
تُعدّ قضية جيفري إبستين واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا في تاريخ الصحافة الاستقصائية والقضاء الأمريكي، إذ تجاوزت كونها قضية جنائية تتعلق بجرائم جنسية لتتحول إلى نموذج كاشف لكيفية تداخل المال والنفوذ مع المؤسسات السيادية والأكاديمية والمالية، وما يترتب عن ذلك من اختراقات عميقة لمنظومة العدالة.
يعيد هذا التقرير تركيب مسار القضية اعتمادًا على وثائق قضائية رسمية، وتقارير المفتش العام الأمريكي، ومعطيات حكومية، وتحقيقات صحفية دولية، بهدف تقديم قراءة تحليلية متماسكة ترصد نشأة الثروة الغامضة لإبستين، وآليات شبكة الاتجار بالبشر التي أدارها، ثم التداعيات القانونية والسياسية التي ما تزال آثارها ممتدة إلى حدود سنة 2026.
صعود المال الغامض وبناء النفوذ
لفهم قدرة إبستين على الإفلات من المساءلة لسنوات، لا بد من تفكيك البنية المالية والاجتماعية التي استند إليها.
لم يكن مجرد رجل أعمال ثري، بل وسيطًا يتحرك في المساحات الرمادية للاقتصاد العالمي، جامعًا حوله شبكة من أصحاب النفوذ.
بدأ مساره المهني دون مؤهلات أكاديمية مكتملة، قبل أن يجد طريقه إلى دوائر النخبة في نيويورك، ثم إلى القطاع المالي، حيث أسّس لنفسه صورة “مدير أموال خاص” دون قاعدة زبائن واضحة.
غير أن التحول الحاسم في مسيرته ارتبط بعلاقته بقطب تجارة التجزئة ليزلي ويكسنر، الذي منحه توكيلًا قانونيًا واسع الصلاحيات، مكّن إبستين من التحكم في أصول مالية ضخمة، ومنحه شرعية اجتماعية فتحت له أبواب السياسة والمال والأكاديميا.
شبكة اتجار منظمة بعقلية الشركات
لم تكن الجرائم التي نُسبت إلى إبستين حوادث معزولة، بل نتاج منظومة منظمة ذات هيكل هرمي واضح.
كشفت التحقيقات أن الإدارة اليومية للشبكة كانت بيد غيسلين ماكسويل، التي لعبت دورًا محوريًا في استقطاب الضحايا والتحكم في مسارات “الاستمالة” النفسية.
اعتمدت الشبكة أسلوبًا يشبه التسويق الهرمي، حيث تُمنح الضحايا مبالغ مالية مقابل جلب أخريات، ما أدى إلى توسع سريع داخل أوساط اجتماعية هشة.
كما استُخدمت أدوات نفسية قائمة على الترغيب والترهيب لإخضاع الضحايا، وهو ما وثقته شهادات قضائية لاحقة.
إخفاق العدالة وصفقة 2008
تمثل الفترة الممتدة بين أول بلاغات التسعينيات واتفاقية عدم الملاحقة سنة 2008 إحدى أكثر مراحل القضية إثارة للجدل.
ورغم توفر شهادات مبكرة، تأخر تدخل السلطات الفيدرالية، ما أتاح للشبكة الاستمرار في نشاطها.
بلغ الإخفاق ذروته بتوقيع اتفاقية سرية منحت إبستين حصانة واسعة، وأغلقت تحقيقًا فيدراليًا كان قد بلغ مراحل متقدمة.
هذه الصفقة، التي وُصفت لاحقًا بـ“وصمة عار قضائية”، سمحت له بقضاء عقوبة مخففة في ظروف شبه مريحة، في انتهاك صريح لحقوق الضحايا.
إعادة التلميع واختراق المؤسسات
بعد خروجه من السجن، شرع إبستين في إعادة بناء صورته عبر بوابة العلم والبحث الأكاديمي، مقدّمًا نفسه راعيًا للابتكار، حيث قبلت مؤسسات علمية مرموقة تبرعاته، رغم علمها بسجله الجنائي، ما أثار لاحقًا فضائح داخلية واستقالات.
في السياق ذاته، كشفت دعاوى مدنية لاحقة عن تواطؤ مؤسسات مالية كبرى، من بينها جي بي مورغان تشيس ودويتشه بنك، التي واصلت تقديم خدمات مصرفية لإبستين رغم مؤشرات واضحة على شبهات الاتجار بالبشر.
السقوط والوفاة المثيرة للجدل
أعاد تحقيق استقصائي نشرته ميامي هيرالد فتح الملف سنة 2018، ما أدى إلى اعتقال إبستين في صيف 2019.
غير أن وفاته داخل زنزانته بعد أسابيع قليلة فجّرت جدلًا واسعًا، خاصة في ظل تقارير رسمية وثّقت إخفاقات أمنية جسيمة، من نقص الحراسة إلى تعطل الكاميرات.
ورغم تضارب الآراء الطبية، خلصت التحقيقات الرسمية إلى أن الإهمال، لا المؤامرة، هو ما سمح بحدوث الوفاة، دون أن يضع ذلك حدًا للتساؤلات العامة.
ما بعد إبستين: المحاكمات وكشف الوثائق
لم تنته القضية بوفاته. فقد أُدينت غيسلين ماكسويل سنة 2021 وحُكم عليها بالسجن، بينما شهدت السنوات اللاحقة الإفراج عن آلاف الوثائق القضائية التي أعادت أسماء شخصيات نافذة إلى دائرة الجدل العام، دون أن ترقى جميعها إلى مستوى الإدانة القضائية.
كما أُقرت تسويات مالية ضخمة مع مؤسسات مصرفية، اعتُبرت اعترافًا ضمنيًا بدورها في تسهيل الجرائم عبر غض الطرف عن تدفقات مالية مشبوهة.
تكشف قضية إبستين هشاشة منظومة العدالة في المجتمعات الغربية حين تتقاطع مع المال والنفوذ، وتؤكد في المقابل الدور الحاسم للصحافة الاستقصائية وشجاعة الضحايا في كسر جدار الصمت.
إنها ليست مجرد ملف جنائي، بل درس عميق في حدود المحاسبة، وتذكير بأن العدالة المتأخرة، مهما بلغت، تظل ناقصة ما لم تُرافقها مساءلة مؤسساتية شاملة.



