من يحمي المغرب من غزو التفاهة؟!

17 يناير 2026 13:03

من يحمي المغرب من غزو التفاهة؟!

هوية بريس – عابد عبد المنعم

لم تعد التفاهة في المغرب مجرد سلوك عابر أو ظاهرة هامشية يمكن التغاضي عنها، بل تحولت إلى قوة ناعمة مدمِّرة، تتسلل يوميا إلى البيوت والمدارس والعقول عبر الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، وتصنع نماذج وقيما مضادة لما يقوم عليه المجتمع من دين وأخلاق وتماسك أسري.

فكلما انطلقت حملة لمحاربة التفاهة أو اعتقال بعض المؤثرين الذين يروجون للسموم الفكرية والأخلاقية، تنفس الشارع الصعداء مؤقتا، قبل أن تعود الظاهرة بقوة أكبر وبأشكال أكثر جرأة وانتشارا.

المشكلة الحقيقية أن التفاهة لم تعد فردا أو حسابا أو مقطع فيديو، بل أصبحت نظاما رقميا متكاملا، يصنع الرموز، ويكافئ الانحراف بالمال الوفير، ويضخّم الرداءة، ويقدّمها في قالب الحرية والحداثة والجرأة.

وما يبعث على الحزن والأسى أن هذه التفاهة تيمول جزء منها من المال العام، علما أنها تفاهة تمس المعتقد والأخلاق، وتشجع على الرذيلة، وتروج للإلحاد، وأخرى منها تطبع مع الشذوذ الجنسي والزنا والخمور والعري الفاضح، وتعيد تشكيل صورة المجتمع على مقاس ثقافة استهلاكية مفصولة عن هوية المغاربة وقيمهم الحضارية.

هنا يطرح السؤال الجوهري الذي يشغل الشارع المغربي:

أين دور المؤسسات الرسمية في حماية المجتمع؟

وأين ذهبت المشاريع الكبرى التي تُصرف عليها مليارات الدراهم باسم التربية والتعليم وتخليق الحياة العامة وتسديد التبليغ؟

إن المقاربة الأمنية، رغم ضرورتها، تظل غير كافية وحدها. فاعتقال مؤثر أو إغلاق حساب لا يعني القضاء على التفاهة، لأن المنصات الرقمية تنتج يوميا آلاف النسخ الجديدة من نفس النموذج. نحن أمام حرب قيم، لا يمكن كسبها بالعصا وحدها، بل تحتاج إلى مشروع حضاري متكامل يواجه التفاهة بالفكر وبالبديل الجذاب، وبالنموذج القادر على مخاطبة الشباب بلغتهم وواقعهم.

وفي ظل واقعنا كما نعرِفه لا كما يروّج له بعض المسؤولين: هل يستطيع المسجد أن يقاوم الهاتف؟

الجواب الواقعي الذي يعرفه الجميع: لا، بالصيغة الحالية لا يستطيع.

الهاتف اليوم أقوى من المسجد، وأكثر تأثيرا من المدرسة، وأقرب من الأسرة.

الهاتف يدمر الفرض حين يسحب الشاب من صلاته إلى شاشة،

ويدمر الأسرة حين يعزل أفرادها في عوالم افتراضية متناقضة،

ويدمر المجتمع حين يعيد تشكيل القيم والمعايير خارج كل مرجعية وطنية أو دينية.

في المقابل، لا يزال الخطاب الرسمي يُنظر إليه، خاصة لدى فئة الشباب، على أنه ثقيل وتقليدي، بعيد عن الواقع، وغير قادر على التفاعل مع التحولات الاجتماعية السريعة. خطاب يُلقَّن أكثر مما يُقنع، ويأمر أكثر مما يُحاور، ويُذكّر أكثر مما يبني وعيا نقديا يحصّن العقول من الرداءة.

وهنا مكمن الخلل:

لسنا أمام نقص في الموارد، بل أمام أزمة في الرؤية.

لسنا أمام ضعف في المؤسسات، بل أمام ضعف في التنسيق والتكامل بينها.

التعليم يشتغل في اتجاه، والمسجد في اتجاه، والإعلام في اتجاه آخر، بينما الهاتف يوحد جهوده يوميا لصناعة التفاهة وتكريسها.

فهل يكفي أن نطلق حملات أمنية كلما انفجرت فضيحة أخلاقية أو فكرية؟

هل يكفي أن نغلق حسابا بينما تفتح عشرات الحسابات الجديدة في اليوم نفسه؟

وهل يعقل أن نترك أبناءنا يتربون رقميا في منصات لا تعترف لا بالمقدس ولا بالقيم ولا بالهوية؟

خلاصة القول؛ إن المجتمع المغربي اليوم في حاجة إلى مشروع وطني حقيقي لمحاربة التفاهة الرقمية، التي لم تعد مجرد انحراف أخلاقي، بل خطر استراتيجي على الأمن القيمي والثقافي للأمة.

ومن لا يحمي مجتمعه من التفاهة اليوم، سيفقد قدرته على حماية كل شيء آخر في المستقبل.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
11°
12°
أحد
14°
الإثنين
13°
الثلاثاء
15°
الأربعاء

كاريكاتير

حديث الصورة