من يشتري الأحرار بفعاله

08 يناير 2026 01:48

هوية بريس – دة.صفية الودغيري

إنَّهم أبناؤنا وإخواننا، وإنَّهم أحبابنا أعداء أنفسهم وأعداؤنا..

وإنَّ منهم من ينتسبون لأبٍ وأمٍّ واحدةٍ أنجبتهم في هذه الدُّنيا الواسعة، فرضعوا كافَّةً من ثديها، وفُطِموا من حليبها فطامًا واحدًا، ثم شَبُّوا بعد ذلك عن الطَّوْق، وقَوِيَ ساعدهم واستقام صُلْبهُم، واشتدَّ ظهرهم وعودهم، ثمَّ تغيَّرت هيئاتهم وأشكالهم وصورهم، وتغيَّرت ألوانهم ولغاتهم، وتعدَّدت أفكارهم وتبدَّلت مشاعرهم؛ فصار لكلٍّ منهم سبيلاً ومنهاجًا وطريقًا، وعقيدةً ومذهبًا مختلفًا، وتفرَّقوا وانقطع ما كان يشدُّ وثاقهم ويوحِّدهم، وتفرَّقت بهم الشِّعاب والسُّبل..

فتراهم تارةً سعداء بما حقَّقوه وأنجزوه، فرحين مغتبطين بما أبدعوا وتفنَّنوا فيه، وتارةً أخرى تراهم قد ركنوا إلى الكسل والخمول، وتقاعسوا عن أداء واجبهم والحقِّ المنوط بهم؛ فصاروا أشقياء بحملهم الدُّنيا فوق رؤوسهم، معذَّبين على الأرض بما أدركوه ولم يدركوه، وبما غنموه ولم يغنموه..

وتراهم تارةً ينتفضون مقبلين على الدُّنيا وأهلها بهمَّةٍ وإرادةٍ لا تلين، يأسرون النُّفوس ويؤلِّفون القلوب والعقول بأخلاقهم السَّامية وأفكارهم العظيمة..

وتراهم تارةً أخرى ينتفضون مدبرين عن الدُّنيا وأهلها، كأنَّ بينهم ثأرًا وحربًا ضروسًا، يتلذَّذون بما يُشيعونه بين العباد والخلائق من مكائد خبثهم وشرِّهم ومكرهم، ويتحكَّمون فيهم بقهرهم وغلبتهم..

وكم رأيت وسترى من صنِيع أهل هذا الزَّمان سواءً منهم القريب الحبيب أو البعيد الغريب، ممّا قد يسرُّك ويسعدك، أو يكدِّر خاطرك ويحزنك، وسترى منهم العَجَب العُجاب إذا ما ضَمَّتْك بهم المجالس، ولَفَّتْك بهم المَلاقي والمَجامِع والمنازل، وستشعر تارةً بالصّدق يشرق من وجوه الصّادقين المخلصين منهم، ويجري على ألسنتهم وأفعالهم ومواقفهم، وستشعر بما تضمره قلوبهم وضمائرهم من الحبِّ والخير، كما ستشعر تارةً أخرى بالكذب يسوِّد وجوه الكاذبين المخادعين المنافقين منهم، وستدرك حقيقتهم وما يُبْطِنون، وما نَصَبوا لك من العداء المقيت، وستفضحهم ألسنتهم بما يَرْمونَك به من القول القبيح، وبما كَلِبوا حتّى غَدَوْا يسْتَحٍلّون حُرْمَتك وحرمة بعضهم البعض، وستقابل منهم من يُكاشِفُك بالشَّتم الصَّريح، وَيُجاهِرُك باللَّفظ القبيح البذيء، وستقابل منهم من يتفنَّن في أذيَّتك تعريضًا وتوريةً وكنايةً وإشارةً..

وستقابل من هم أشرُّ منهم ممَّن لا يُعاجِلونك بالسُّوء، ولا يؤاخذونك بالذَّنب بغتةً لا مودَّةً أو محبَّةً، بل ليُحْصوا عليك أنفاسك، وليَعُدّوا عليك حروفك وألفاظك، وليتَتَبَّعوا سيرتك بحسناتها وسيِّئاتها؛ حتّى يحين وقت العقاب والقصاص منك لينقضّوا عليك وأنت لاهٍ عمّا يحيكون ويكيدون لك في الخفاء، ويحين اليوم الَّذي تنقضي حاجاتهم وآرابهم بعد أن جفَّ ضرعك، وتساقطت أوراقك وانكسرت أقلامك، وبعد أن استنزفوا طاقتك وامتصّوا آخر قطرة دمٍ تجري في عروقك، واستغلّوك أبشع استغلال..

وكما قال ابن أبي ليلى: “سَيَأْتي على النَّاسِ زَمانٌ يُقالُ لَهُ زَمانُ الذِّئابِ، فَمَنْ لم يَكُنْ في ذَلِكَ الزَّمانِ كَلْبًا أَكَلوه”.

وكما قال الشّاعر:
احْذَرْ مَوَدَّةَ ماذِقٍ … شابَ المَرارَةَ بِالحَلاوَة
يُحْصي العُيوبَ عَلَيْكَ أَيَّا … مَ الصَّداقَةِ لِلْعَداوَة

وكما قال عبد اللَّه بن المُعْتَزِّ: “إِخْوانُ السُّوءِ يَنْصَرِفونَ عِنْدَ النَّكْبَة، وَيُقْبِلونَ مَعَ النِّعْمَة، وَمَنْ شَأْنُهُم التَّوَسُّلُ بِالإِخْلاصِ وَالمَحَبَّةِ إِلَى أَنْ يَظْفَروا بِالأُنْسِ وَالثِّقَة، ثمَّ يُوَكِّلونَ الأَعْيُنَ بِالأَفْعالِ وَالأَسْماعَ بِالأَقْوالِ: فَإِنْ رَأَوْا خَيْرًا أَوْ نَالوهُ لم يَذْكُروهُ ولم يَشْكُروه، وَعَلِموا أَنَّهُمْ خَدَعوا صاحِبَهُمْ عنه وَقَمَروهُ. وَإِنْ رَأَوْا شَرًّا أو ظَنُّوهُ أَذاعوهُ وَنَشَروهُ، فَإِنْ أَدَمْتَ مُواصَلَتَهُمْ فَهُمُ الدَّاءُ اْلمُماطَلُ المَخوفُ على المُقاتِل، وَإِنِ اسْتَرَحْتَ إلى مُصارَمَتِهِمُ ادَّعَوُا الخِبْرَةَ بِكَ لِطولِ الصُّحْبَةِ وَالعِشْرَةِ فكانَ حَديثُهُمْ مُصَدَّقًا وَباطِلُهُمْ مُحَقَّقًا”.

فهذا الزَّمان الَّذي يفرِّق الأصحاب والإخوان والخلاّن، حتّى ما عاد للحبِّ والصِّدق والإخلاص إلاّ ذاك القدر الَّذي يجمع بين الخَلائق من المطامع والمصالح والآراب..

وما أعمق وأبلغ ما قاله ِمنصور بن عَمَّار في صِفَةِ الزَّمان وأهله، كأنَّه يصف حالنا وحال هذا الزَّمان وأهله: “تَغَيَّرَ الزَّمانُ حتَّى كَلَّ عن وَصْفِهِ اللِّسان؛ فَأَمْسى خَرِفًا بَعْدَ حَداثَتِه، شَرِسًا بَعْدَ لينِهِ، يَابِسَ الضَّرْعِ بَعْدَ غَزَارَتِه، ذَابِلَ الفَرْعِ بَعْدَ نَضارَتِه، قاحِلَ العودِ بَعْدَ رُطوبَتِه، بَشِعَ المَذاقِ بَعْدَ عُذوبَتِه، فَلا تَكادُ تَرى لَبيبًا إلَّا ذا كَمَدٍ، ولا ظَريفًا واثِقًا بِأَحَدٍ، وما أَصْبَحَ لَهُ حَليفًا إِلَّا جاهِلٌ، ولا أَمْسى بِهِ قَريرَ عَيْنٍ إلَّا غافِلٌ، فما بَقِيَ مِنَ الخَيْرِ إلَّا الِاسْمُ، ولا مِنَ الدِّينِ إلَّا الرَّسْمُ، ولا مِنَ التَّواضُعِ إلَّا المُخادَعَةُ، ولا مِنَ الزَّهادَةِ إلَّا الِانْتِحَالُ، ولا مِنَ المُروءَةِ إلَّا غُرورُ اللِّسانِ، ولا مِنَ الأَمْرِ بِالمَعْروفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ إلَّا حَمِيَّةُ النَّفْسِ والغَضَبُ لَها وَتَطَلُّعُ الكِبْرِ مِنْها، ولا مِنَ الِاسْتِعادَةِ إلَّا التَّعْزيزُ والتَّبْجيلُ، فَالمَغْرورُ المائِقُ المَذْمومُ عِنْدَ الخَلائِقِ، النَّادِمُ في العَواقِبِ، المَحْطوطُ عَنِ المَراتِبِ مَنِ اغْتَرَّ بِالنَّاسِ، ولم يَحْسِمْ رَجاءَهُ بِاليَأْسِ، ولم يُظْلِفْ قَلْبَهُ بِشِدَّةِ الِاحْتِراسِ، فَالحَذَرَ الحَذَرَ مِنَ النَّاسِ؛ فقد قَلَّ النَّاسُ وَبَقِيَ النَّسْناسُ، ذِئابٌ عليهم ثِيابٌ، إِنِ اسْتَفْرَدْتَهُمْ حَرَموكَ، وَإِنِ اسْتَنْصَرْتَهُمْ خَذَلوكَ، وَإِنِ اسْتَنْصَحْتَهُمْ غَشُّوكَ، وَإِنْ كُنْتَ شَريفًا حَسَدوكَ، وَإِنْ كُنْتَ وَضيعًا حَقَروكَ، وَإِنْ كُنْتَ عالِمًا ضَلَّلوكَ وَبَدَّعوكَ، وَإِنْ كُنْتَ جاهِلًا عَيَّروكَ وَلَمْ يُرْشِدوكَ، إِنْ نَطَقْتَ قالوا مِكْثارٌ مِهْذارٌ صَفيقٌ، وَإِنْ سَكَتَّ قالوا غَبِيُّ بَليدٌ بَطيءٌ، وَإِنْ تَعَمَّقْتَ قالوا مُتَكَلِّفٌ مُتَعَمِّقٌ، وَإِنْ تَغافَلْتَ قالوا جاهِلٌ أَحْمَقُ؛ فَمُعاشَرَتُهُمْ داءٌ وَشَقاءٌ، وَمُزايَلَتُهُمْ دَواءٌ وَشِفاءٌ، ولا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكونَ في الدَّواءِ مَرارَةٌ وَكَراهَةٌ، فَاخْتَرِ الدَّواءَ بِمَرارَتِهِ وَكَراهَتِهِ على الدَّاءِ بِغائِلَتِهِ وَآفَتِهِ..”.

وعن أبي مُسْلِمٍ الخَوْلانيِ قال: “كانَ النَّاسُ مَرَّةً وَرَقًا لا شَوْكَ فيه، وإِنَّهُمُ اليَوْمَ شَوْكٌ لا وَرَقَ فيه”.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
8°
15°
السبت
15°
أحد
16°
الإثنين
18°
الثلاثاء

كاريكاتير

حديث الصورة