هل تراجع التوفيق عن فرض الخطبة الموحدة؟

21 يناير 2026 08:06

هل تراجع التوفيق عن فرض الخطبة الموحدة؟

هوية بريس – حكيم بلعربي

لم يكن خطاب وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الأخير حول خطة “تسديد التبليغ” خطابا عاديا في سياق الجدل المتواصل بشأن توحيد خطبة الجمعة، بل جاء محملا بدلالات سياسية ودينية عميقة، أبرزها محاولة إعادة توصيف سياسة أثارت سخطا واسعا في أوساط الخطباء والرأي العام، بعد أن ثبت فشلها عمليا وأخلاقيا.

فالوزير، وهو يواجه موجة التشكيك والرفض، حرص على التأكيد أكثر من مرة على أن خطب الجمعة التي يعدها المجلس العلمي الأعلى “مقترحة”، بل قال حرفيا إن المجلس “يقترح هذه الخطب حتى يقتنع بها جميع من يتدبرها ويتحمل مسئوليته من تلكأ في تبليغها”. غير أن هذا الكلام، مهما بدا مطمئنا في ظاهره، يصطدم بواقع موثق، حيث جرى توقيف عدد من الخطباء في مناطق مختلفة من المغرب بسبب عدم التزامهم بنص الخطبة الموحدة، وهو ما يحول الاقتراح إلى إلزام، والاقتناع إلى إكراه مقنع.

وهنا يحق لنا طرح التساؤل التالي: أي معنى للاقتراح حين يقترن بالتوقيف؟

وأي قيمة للاقتناع حين يصبح الخطيب مهددا في مصدر رزقه وسمعته المهنية؟

وإزاء وضع كهذا نجد أنفسنا أمام ازدواجية فجة بين الخطاب الرسمي والممارسة الإدارية، وهي ازدواجية لا يمكن تبريرها بالحديث عن الثوابت ولا عن وحدة المرجعية.

لقد كشفت تجربة الخطبة الموحدة عن أعطاب بنيوية عميقة، في مقدمتها القطيعة مع الواقع الاجتماعي المتعدد للمغاربة.

فهل يعقل أن تخاطب خطبة واحدة ساكن حي راق في الرباط، تحاصره أسئلة الفردانية والعلمنة الناعمة، كما تخاطب ساكن قرية معزولة يكافح يوميا من أجل لقمة العيش؟

وأين هو “تبليغ القرب” الذي تحدث عنه الوزير مطولا، إذا كان الخطيب ممنوعا من مخاطبة واقعه القريب بلغته وأسئلته؟

ثم إن الأخطر في هذا التوجه ليس فقط فقره التربوي، بل ما ينطوي عليه من تحقير مبطن لمكانة الخطباء والعلماء. فهؤلاء لم يصلوا إلى المنابر صدفة، بل بعد مسارات تكوين شاقة واختبارات دقيقة، ليجدوا أنفسهم في النهاية مطالبين بتلاوة نصوص جاهزة، وكأن دورهم لا يتجاوز حسن الإلقاء وضبط التوقيت.

إن وصف الخطبة اليوم بكونها “مقترحة” لا يبدو تعبيرا عن قناعة جديدة، بقدر ما هو محاولة متأخرة لامتصاص الغضب المتنامي، دون شجاعة الاعتراف بالخطأ أو فتح نقاش حقيقي حول إعادة الاعتبار للمنبر، باعتباره فضاء للعلم والمسؤولية، لا أداة للتدبير الإداري البارد.

فالمنبر لا ولن يصلح بالتوحيد القسري، وبالتخويف وعصا التوقيف، بل بالثقة في العلماء، وبالاعتراف بأن وحدة الأمة لا تعني أبدا تسطيح خطابها الديني.

 

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
11°
16°
الخميس
15°
الجمعة
13°
السبت
14°
أحد

كاريكاتير

حديث الصورة