هل يخفي مشروع غار جبيلات حقيقة تفاوض واشنطن مع الجزائر

06 فبراير 2026 07:58

هل يخفي مشروع غار جبيلات حقيقة تفاوض واشنطن مع الجزائر

هوية بريس – بلال التليدي

لا شيء واضحا في المحادثات التي تجري بين واشنطن والجزائر بخصوص استحقاقات قرار مجلس الأمن 2797 وتسوية التوتر مع المغرب، فالسيد مسعد بولس مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية في كل تصريحاته يشير إلى حصول تقدم في المحادثات مع ربط مسار العلاقات الأمريكية الجزائرية بدور الجزائر في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي، أي بتسوية قضية الصحراء وفك التوتر مع المغرب، بينما خفت صوت الدبلوماسية الجزائرية فيما يخص تكرار المواقف المبدئية بخصوص الصحراء، وكون الجزائر تدعم تقرير المصير، وتشجع الطرفين على التوصل إلى حل سياسي للنزاع.

الشيء الوحيد الذي ثارت عليه جلبة إعلامية كبيرة هو منجم غار جبيلات، والمشروع “الواعد” الذي تروج له الرئاسة الجزائرية كونه سينتج ملايين الأطنان من الحديد (3,5 مليون طن تحديدا)، بما يلبي حاجة السوق الداخلية، وفي الآن ذاته يتم التوجه نحو التصدير.

الاعتبارات اللوجستية، تقول أشياء معاكسة لما يروجه الإعلام الجزائري الرسمي، فنقل إنتاج الحديد عبر خط السكة الحديدية المنجمي الغربي (بشار–بني عباس–تندوف–غارا جبيلات)-هذا في حال التحقق من جدواه الاقتصادية- يتطلب مد سكة الحديد لحوالي 950 كيلومترا، وهو ما يشكل محور جدل وشك من لدن كثير من المراقبين والإعلاميين الجزائريين الذين لا يثقون في نهاية الأشغال، ويقولون إن ما لا يقل عن 20 في المائة لا يزال قيد الإنجاز.

أما بالاعتبار التقني الذي يخص الحالة الكيميائية للمنجم، فهناك شك أكبر من ذلك أبدته جزء من النخبة الفنية الهندسية، فالدراسات التي أجريت على جدوى المشروع، تقول إن مردوديته الاقتصادية ستكون سالبة أو على الأقل جد مكلفة للدولة وأنها لن تقوى على تحمل نفقات الاستثمار فيه، وذلك بسبب أن احتياط الحديد الموجود في غار جبيلات هو من النوع الذي توجد به نسبة عالية من الفوسفور، مما سيفرض من ناحية تسويقه أحد سيناريوهين ، إما أن بيعه خاما في السوق الدولي بحيث لن تتجاوز قيمته في هذه الحالة 25 دولارا للطن، وهو ما يعني أن مجرد استرداد الدولة الجزائرية لما أنفقته في اللوجستيك فقط (3,5 مليار دولار) سيحتاج حوالي خمسين سنة دون ربح، هذا في السيناريو الأفضل لبيع الطن الواحد، وإما بذل مزيد من الاستثمار في تخلية الحديد من النسبة العالية من الفوسفور وذلك من 0,8 إلى 0,2 في المائة، حتى تتعالى قيمته في السوق الدولية، وفي هذه الحالة، فالمطلوب من الدولة الجزائرية بذل استثمار أضعاف ما زعمت أنها أنفقته في إعداد سكة الحديد على مسافة 950 كيلومترا لنقل الحديد إلى الأسواق الإفريقية عبر تندوف، وهو ما يتطلب بذل شراكة كبيرة مع الصين في البحث العلمي حتى يتم تحويل الخام بشكل تتناقص فيه نسبة الفوسفور ويصير بيعه تنافسيا في السوق الدولية، بما يقلل مسافة استرداد الدولة لاستثماراتها إلى عشر سنوات حسب ما يراه الخبير الجزائري جلول سلامي.

هذه الاعتبارات كلها، بالإضافة إلى عنصر التزامن، أي تزامن إطلاق المشروع مع المحادثات مع واشنطن، تؤكد أن منجم غار جبيلات هو بعيد كل البعد عن أي رهان اقتصادي، وأنه مجرد ورقة في سياق إقليمي متوتر، تحاول فيه الجزائر امتصاص الضغط المفروض عليها أمريكيا.

قد يبدو الربط بعيدا، لكن، لنتذكر أنه حصل في غضون الأسبوع الماضي حدث مهم على مشارف الحدود الجزائرية المغربية، إذ أقدم الجيش الجزائري على توجيه طلقات نارية قتل بها ثلاثة مغاربة، وتم التعلل بكونهم تجار مخدرات يقومون بتهريبها إلى الداخل الجزائري، هذا مع أن الحدود بين البلدين مغلقة، وتفرض عليها السلطات الجزائرية مراقبة شديدة لا يحتمل معها تسرب أي مواطن مغربي إلى الداخل الجزائري.

واضح أن الذي يجمع بين استهداف الجيش للمغاربة الثلاثة على مشارف الحدود الجزائرية وبين غار جبيلات هو شيء واحد، هو أن السلطات الجزائرية تريد أن تبعث برسالة تتعلق بسيادتها السياسية والترابية والاقتصادية على المنطقة الشرقية، أو بالأصح على الصحراء الشرقية، التي تزعم وسائل الإعلام الجزائرية أن المغرب سيطالب بها في اللحظة التي ينتهي فيها من تسوية ملف الصحراء.

لقد تناولنا في مقال سابق، أن تصريحات المبعوث الشخصي الأمين العام السابق كرستوفر روس حول استثمار الجزائر لملف النزاع حول الصحراء لشغل المغرب عن عدم المطالبة بالصحراء الشرقية، لم تكن من غير خلفية، وأن واشنطن تستعمل هذه الورقة من أجل الضغط على الجزائر للتعاون في حل نزاع الصحراء وتسوية التوتر مع المغرب، ورأينا كيف حاولت الجزائر عند استقبالها لمبعوث الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية بولس مسعد أن تدفع بورقة الطاقة والمناجم وتقوية العلاقات الأمريكية الجزائرية لتغري واشنطن للتخلي عن الضغط واللعب معها على الطاولة، خاصة وأن الجزائر تعيش على إيقاع توتر غير مسبوق مع فرنسا، التي بلغ بها التصعيد الإعلامي إلى درجة بث تحقيق تلفزيوني في قناة فرنسية عن ممارسات السلطات الجزائرية في حق المعارضين شعرت فيه الجزائر بقدر كبير من الحرج فاضطرت الخارجية الجزائرية للرد عليه.

قبل أقل من يومين، صرح رئيس مكتب شؤون الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الأمريكية، روبرت بالادينو، بأن الإدارة الأمريكية قد تفرض عقوبات على الجزائر على خلفية شرائها مقاتلات حربية روسية العام الماضي، وهو ما يعزز كون ورقة الطاقة والمناجم لم تؤد مفعولها، وأن الضغط الأمريكي على الجزائر مرشح أكثر للتصعيد، وأنه لذلك الغرض تسعى الجزائر، أن تعبئ داخلها بسيادتها على الصحراء الشرقية في مسعى لمواجهة الضغوط الأمريكية، التي يبدو أنها باتت تتنوع، تكيفا مع شكل تفاعل السياسة الجزائرية.

الكثيرون داخل الجزائر يعرفون أن الطرق الإعلامي الكثيف على منجم غار جبيلات لا يعني شيئا من الناحية الاقتصادية ولا التجارية، ولا حتى الاستراتيجية، حتى والجزائر تزعم أن هذا المنجم سيعزز علاقتها بالقارة الأفريقية عبر تندوف -موريتانيا، وأن التحليل المتزن لتصرفات السلطة السياسية في الجزائر أنها تحاول أن تستبق التفاوض، بتعلية مستوى ترصيص الجبهة الداخلية بخصوص الصحراء الشرقية، وأنها في أحسن الأحوال لا تفعل أكثر من تجهيز سيناريو (ب) بعد فشل سياسة إغراء واشنطن بورقة الطاقة والمناجم (سيناريو أ)، ففي سيناريو الضرورة (أقصد ب)، ستقع الجزائر أمام ثلاثة خيارات، الأول، أن تستجيب للضغط الأمريكي وتتعاون من أجل تنفيذ استحقاقات إقرار مجلس الأمن 2797 وتسوية التوتر مع المغرب بما يضمن تعاون وتنسيق البلدين لتعزيز الأمن الإقليمي في منطقة الساحل والصحراء، وانتزاع الجزائر من المحور الروسي بعد توتر العلاقات بين البلدين.

والثاني، المماطلة وانتظار حصول تغيرات دولية تطيح بالرئيس ألأمريكي دونالد ترامب من البيت الأبيض، بما يتيح نوعا من التخفف ليس فقط من الضغط الأمريكي، ولكن أيضا من الثقل الذي يمثله قرار مجلس الأمن. وأما الخيار الثالث، فهو التعنت في الموقف بخصوص التعاون لتنفيذ قرار مجلس الأمن، وتعبئة الداخل الجزائري لمواجهة استعمال واشنطن وفرنسا وربما حتى المغرب لورقة الصحراء الشرقية.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
19°

كاريكاتير

حديث الصورة