هل ينفع الخلاف السعودي الإماراتي الجزائر لتبرير فشل السياسة مع دول الجوار؟

02 يناير 2026 07:59

هل ينفع الخلاف السعودي الإماراتي الجزائر لتبرير فشل السياسة مع دول الجوار؟

هوية بريس – بلال التليدي

كثيرون تساءلوا عن سبب الصمت الطويل للرئيس الجزائري وعدم تفاعله مع تطورات مهمة عرفها ملف العلاقات المغربية الجزائرية، وملف الصحراء، ومهمة مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية بولس مسعد، فقد مضى شهران كاملان دون أن يصدر عنه أي موقف يبين توجه بلاده المستقبلي في التعاطي مع هذه القضايا وما نتج من استحقاقات مجلس الأمن 2797.

الثلاثاء الماضي، كسر الرئيس الجزائري الصمت، وتحدث في كل شيء يتعلق بسياسة الجزائر مع جوارها، بل وحتى ما يتعلق بالشرق الأوسط، وأعاد التأكيد على مواقف بلاده السابقة، كما ولو أن التطورات التي حصلت إلى حدود 31 أكتوبر من السنة الماضية لم يكن لها تأثير على القرار السياسي الجزائري، فلم يبد أي مرونة في موضوع الصحراء، وأعاد تكرار موقف بلاده الداعمة للاستفتاء، و«أن الجزائر لن تكون صحراوية أكثر من الصحراويين» أي في حالة ما إذا اختاروا خيارا آخر غير الاستفتاء، وحاول أن يثبت وضع بلاده بوصفها ليست طرفا في موضوع الصحراء، من خلال نفي أي طموح لها في الأرض أو البحر (الرد على أطروحة رغبة الجزائر في المنفذ البحري على المحيط الأطلسي) وقدم مقاربته للسياسة الخارجية لبلاده مع دول الجوار، وخاصة موريتانيا، وتونس وليبيا، واستغل الفرصة لكي يهاجم الإمارات متهما إياها ضمنا بتحريك مؤامرات التقسيم في المنطقة العربية، وأنها بصدد الانتقال من الشرق الأوسط إلى شمال إفريقيا، ولم يشر إلى المغرب بالمطلق، كما هي عادته في الخطابات السابقة.

قد يكون سؤال المضمون مهما، فالرئيس الجزائري، لم يتحدث بشكل مباشر عن أي مضمون من هذه المضامين طيلة شهرين تقريبا، بل إنه وجد الفرصة مناسبة للحديث عن غزة والإبادة الصهيونية لغزة وموقف بلاده المدين لها، وهو الآخر مضمون سكت عنه لمدة طويلة، لكن، لا يمكن بحال فصل المضمون عن التوقيت، فسؤال التوقيت في تقديري هو الذي يفسر كل شيء، إذ اختارت الجزائر، تطورا استراتيجيا حساسا حصل في الشرق الأوسط، وترقبت حصول بعض تداعياته، قبل أن يخرج الرئيس الجزائري بهذه الخرجة الإعلامية.

لا شك أن حدث إعلان تل أبيب اعترافها بأرض الصومال، وظهور ملامح استراتيجيتها المقبلة للتحكم في الشرق الأوسط والتحكم في البحر الأحمر، والإطلالة على بحر العرب وذلك بعد أن أصبح لها حليف «مفترض» يطل ويشرف على الحدود الجنوبية للسعودية عبر محافظة حضرموت التي سيطرت عليها قوات المجلس الانتقالي نهاية ديسمبر 2025، هو ما حفز النظام الجزائري على ترقب أولى التداعيات، وهي الخلاف السعودي الإماراتي، والذي برز بشكل واضح في بيان وزارة الخارجية السعودية الذي وضع دولة الإمارات تحت طائلة تهديد موقوت بأربع وعشرين ساعة لإخلاء قواتها من جنوب اليمن، بعد أن تسربت معطيات تتعلق بقرب تحرك عسكري يهدد الأمن القومي السعودي فضلا عن وصول حاويات أسلحة قادمة من أبو ظبي نحو ميناء المكلا، هذا قبل أن تستهدفها قوات التحالف يوم الثلاثاء الماضي.

لقد اختار الرئيس الجزائري توقيتا ملائما لكي يعيد صياغة موقف بلاده ويحدد عناصر سياستها الخارجية، ويتحدث بشكل علني بعد صمت طويل، فقد جاء حديثه لغرفتي البرلمان بعد صدور بيان وزارة الخارجية السعودية التهديدي لدولة الإمارات، وصدور بلاغ من وزارة الدفاع الإماراتية الذي قرئ على أنه نفي لما ورد في بلاغ الخارجية السعودية في طعم الخضوع والاستجابة الفورية، وجاء حديث الرئيس الجزائري بعد صدور مواقف دولية وإقليمية بما يعرف بالاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال: الجامعة العربية، والاتحاد الإفريقي، والسعودية وتركيا وإيران وباكستان ومصر، فضلا عن الصومال البلد المعني بالتقسيم.

هذا التطور الاستراتيجي، والذي يضع عددا من الدول الإقليمية أمام تحديات خطيرة، مثل السعودية ومصر وإيران، والذي فجر الخلاف الاستراتيجي بين دولتين خليجيتين، تعرف علاقات الجزائر بأحدها توترا كبيرا (الإمارات) سمح بأن يخرج الرئيس الجزائري بهذه الخرجة الإعلامية، لكي يحمل دولة الإمارات مسؤولية إعطاب سياسة الجزائر الخارجية مع جوارها، فالمشكلة مع دول الساحل جنوب الصحراء سببها حسب الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ميليشيات مرتزقة تدعمها الإمارات، والمشكلة في ليبيا سببها تدخل خارجي، لم يشر فيه إلا للإمارات ودعمها للمرتزقة، وتونس التي تعاني إفلاسا اقتصاديا واحتقانا سياسيا وحقوقيا، سببه في تقدير الرئيس الجزائري وجود مؤامرة إماراتية للتقسيم واستهداف كل من تونس والجزائر.

يلاحظ المراقب أن الرئيس الجزائري لم يكن معنيا بالمطلق بالحديث عن العلاقات مع دول الاتحاد الأوروبي، الذي تعرف توترا منذ شهر يوليو من السنة الماضية إذ لجأ الاتحاد الأوروبي إلى طلب التحكيم بسبب اتهامات للجزائر بعدم الالتزام بمقتضيات الشراكة وإدانته الوضع الحقوقي في الجزائر، فضلا عن توتر العلاقة مع فرنسا وتباطؤ إصلاح العلاقة الجزائرية الإسبانية، ولم يكن أيضا معنيا بالحديث عن بعض استحقاقات القرار 2797 خاصة ما يتعلق بالحوار الجزائري المغربي ودور الولايات المتحدة الأمريكية في ذلك، بل ركز بشكل كبير على وضع الجزائر في محيطها الإقليمي، وما ينفع فيه لتحميل الإمارات مسؤولية فشل السياسة الخارجية الجزائرية في إصلاح علاقاتها الخارجية مع جوارها، وإخفاء حالة التوتر المؤطر بالسقف المنخفض بين الجزائر وموريتانيا، من جهة، وبين الجزائر والدور الروسي في المنطقة، في حين، اكتفى في الحديث عن الجوار المغربي بالتأكيد على موقف بلاده من قضية الصحراء.

من الواضح أن الجزائر طيلة الشهرين الماضيين كانت تعاني من حرج شديد بفعل تداعيات قرار مجلس الأمن 2797 الذي أناط تسوية النزاع في الصحراء بتفعيل المقترح المغربي للحكم الذاتي، وكانت محاصرة بنخبها السياسية والإعلامية والثقافية التي حملت الدبلوماسية الفاشلة لكل من رمطان لعمامرة ثم أحمد عطاف العزلة الدولية التي آلت إليها الجزائر، والحصار المطبق عليها من كل حدودها الجنوبية والغربية والشرقية، فلم تجد في واقع الأمر أفضل من حدث الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، وكل التداعيات التي فجرها، ومواقف الدول الإقليمية المنددة، والتوتر السعودي الإماراتي، لكي تبرئ ساحة الدبلوماسية الجزائرية من الفشل، وتنسب عزلتها الدولية إلى فعل التآمر الإماراتي عليها وعلى جوارها، ولكي ترد على السردية التي تقول بأن الجزائر تعيش تهديدا وجوديا لم يعد النظام السياسي الجزائري قادرا على الاستجابة إليه.

في كل الأحوال، قد تكون بعض المتغيرات الإقليمية مجدية في إعادة صياغة موقف، أو المساعدة على التخفف من ضغط داخلي، أو حتى استثمار الموقف لبناء جبهة داخلية أو على الأقل العثور على موارد للتعبئة الداخلية، لكن، هذا الكسب المؤقت الذي توفره هذه المتغيرات لا ينفع كثيرا في التغطية على أسئلة موضوعية، يعلم الجميع أن دولة الإمارات ليست طرفا فيها، فقطعا لا تدخل هذه الدولة مجال العلاقات الجزائرية الأوروبية، وليست طرفا في تكييف علاقة الجزائر بموسكو، ولا حتى علاقتها بالمغرب التي توترت قبل أن تخط أبو ظبي طريقها نحو التمدد الإقليمي.

هناك أسئلة جدية تتعلق بالسياسة الخارجية الجزائرية مع محيطها وجوارها، بعضها مرتبط بأدوار إماراتية وأيضا روسية، والمتبقي منها، وهو الأكثر بالمناسبة، لا علاقة للإمارات به، وإنما له علاقة بمفاعيل مفردات في عقيدة النظام الجزائري في تدبيره للعلاقة مع الجوار، تحتاج لمعاجلة عميقة، لا إلى البحث عن دولة ما تعلق عليها الجزائر كل أزماتها وإخفاق سياساتها الخارجية.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
14°
18°
السبت
17°
أحد
16°
الإثنين
13°
الثلاثاء

كاريكاتير

حديث الصورة