سوريا بين الاحتجاج والفوضى والدولة

01 يناير 2026 02:29

هوية بريس – إحسان الفقيه

لم تكن شوارع الساحل السوري، في ما جرى اليوم، مسرحا لاحتجاج عادي، ولا مساحة طبيعية لتعبير مدني مألوف، بل تحولت في لحظة دقيقة إلى مرآة كاشفة للسؤال الأكبر الذي يطارد سوريا بعد سقوط نظام الأسد الدموي:

– هل نحن أمام ولادة دولة، أم أمام صراع خفي على منع هذه الولادة؟

فالاحتجاج، حين يُنتزع من سياقه المدني، ويُدفع به ليجاور السلاح، لا يعود فعلا سياسيا، بل يصبح أداة اختبار قاسية لهيبة الدولة ومعناها.

اللافت، بل الصادم، أن قوات الأمن السورية نزلت هذه المرة لا لقمع المتظاهرين، كما كان مألوفا في زمن الاستبداد، بل لحمايتهم ومنع الاحتكاك بينهم وبين مؤيدي الدولة…

هذا التحول وحده كان كفيلا بأن يُسجّل كفارق تاريخي بين نظام سقط ودولة تحاول أن تتشكل. غير أن الرصاصة التي أُطلقت على عناصر الأمن لم تكن رصاصة طائشة، ولا انفلاتا عفويا، بل كانت رسالة سياسية دقيقة التوقيت والمعنى:

حين تحمي الدولة الاحتجاج، يجب كسر هذه المعادلة، ودفعها إما إلى التراجع أو إلى الرد القاسي، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لفلول نظام منهار هو أن تنجح دولة جديدة في الجمع بين حماية الحق واحتكار السلاح.

هنا تتبدى خطورة استدعاء خطاب “الانتهاكات بحق الطائفة”، لا بوصفه توصيفا موضوعيا لحالة حقوقية قابلة للنقاش، بل كأداة تعبئة تستحضر ذاكرة الخوف التي زرعها نظام الأسد لعقود، حين أقنع جزءا من السوريين أن وجودهم مرهون بسلطة لا بديل عنها، وأن الدولة ليست إطارا جامعا بل تهديدا كامنا…

ذلك الخطاب لم يكن يوما دفاعا عن أقلية، بل كان نظام حكم كاملا يقوم على تحويل الطائفة إلى درع، والدرع إلى سجن نفسي، والسجن إلى مبرر دائم للقمع…

إعادة إحياء هذا الخطاب اليوم، بعد سقوط النظام، ليست دفاعا عن مظلوم، بل محاولة لإعادة تدوير الخوف بوصفه بديلا عن المواطنة.

استهداف رجال الأمن في هذا السياق لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثا عرضيا أو تفصيلا مؤسفا.

ففي كل التجارب السياسية، حتى في أعرق الديمقراطيات، يمثل الاعتداء على الأمن العام اعتداء على فكرة الدولة نفسها، لا على أشخاصها.

رجل الأمن، حين يؤدي وظيفته ضمن القانون، لا يمثل سلطة متغولة، بل يجسد حضور النظام العام الذي بدونه تتحول الحرية إلى فوضى. ومن هنا، فإن التساهل مع الرصاص حين يختبئ خلف الشعارات، ليس دفاعا عن الحق، بل تواطؤ غير مباشر مع مشروع الفوضى.

الفارق الجوهري بين ما يحدث اليوم وما كان سائدا في زمن بشار الأسد هو أن الرصاص لم يعد يأتي من جهة واحدة. في السابق، كان الأمن يهاجم الاحتجاج، أما اليوم فالاحتجاج يُستغل للهجوم على الأمن.

هذا الانقلاب في المشهد هو ما يجعل المرحلة شديدة الحساسية، لأن الدولة الجديدة تُختبر ليس في قدرتها على القمع، بل في قدرتها على ضبط نفسها وهي تُستفز. الفلول يدركون أن الدولة إن نجحت في حماية الاحتجاج ومنع السلاح في آن واحد، فإنها تسحب منهم آخر أوراقهم: ورقة التخويف، وورقة المظلومية المصطنعة، وورقة الفوضى الخلاقة.

ولا يمكن فصل ما يجري في الساحل عن السياق الأوسع لما تشهده مناطق أخرى في الجنوب والشرق، حيث تتكرر المعادلة ذاتها بأشكال مختلفة:

مطالب محقة تُحمّل أكثر مما تحتمل، وخطابات تعبئة تتجاوز الواقع، وسلاح يتسلل من خلف المشهد.

الهدف ليس إسقاط الدولة بضربة واحدة، بل إبقاؤها في حالة إنهاك دائم، مشغولة بإطفاء الحرائق، عاجزة عن تثبيت سردية جامعة، وهو بالضبط ما تحتاجه بقايا النظام القديم وكل من لا يريد لسوريا أن تتحول من ساحة إلى دولة.

الدعوات إلى الحكمة والتدرج مطلوبة في مثل هذه اللحظات، لكن الحكمة إن لم تقترن بالوضوح تتحول إلى تردد، والتدرج إن لم يُحسم بالسقف القانوني يتحول إلى فراغ قاتل.

الدولة لا تُبنى بالصوت العالي ولا بالقبضة العمياء، بل بتسمية الأشياء بأسمائها: احتجاج سلمي يُحمى، وسلاح غير شرعي يُجفف ويُحاسب. لا منطقة رمادية هنا، لأن الرمادي في لحظات التأسيس يتحول سريعا إلى سواد.

في جوهر ما جرى اليوم، لا يدور الصراع على شارع أو مظاهرة أو بيان، بل على معنى الدولة ذاتها.

هل تكون سوريا دولة قانون، حيث يُصان الحق ويُمنع السلاح، أم تعود إلى دوامة “الحماية” التي لا تحمي أحدا، والخوف الذي يلتهم الجميع؟

في مثل هذه اللحظات الفاصلة، لا يكون الخطر الأكبر في الرصاصة التي أُطلقت، بل في المعنى الذي قد تُترك بلا مساءلة، لأن الدول لا تسقط حين يحتج الناس، بل حين يُسمح للفوضى أن تتحدث باسمهم.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
14°
20°
الجمعة
18°
السبت
18°
أحد
16°
الإثنين

كاريكاتير

حديث الصورة