العودة بعد الكفر.. بين الإخلاص الحقيقي والاستدراك الشكلي

01 يناير 2026 15:57

هوية بريس – د.رشيد بن كيران

مرحبا بكل عائد إلى الله.. العودة بعد الكفر: بين الإخلاص الحقيقي والاستدراك الشكلي

في لحظة العودة إلى الإسلام بعد الكفر يكون الإخلاص ليس خُلقا زائدا على أصل التوبة، بل هو روحها وحقيقتها، وبدونه تتحول العودة إلى مجرد انتقال شكلي لا يتغير ما في القلب ولا يكاد ينجو صاحبه من التذبذب والاضطراب.

فالتوبة في التصور الإسلامي ليست نطقا لفظيا ولا تصحيحا ذهنيا فحسب، وإنما هي انقلاب داخلي تعود فيه الفطرة إلى مركزها، ويُسلَّم القلب تسليما خالصا لله بعد أن كان موزع الوجهة أو منحرف القصد. ومن هنا كان الإخلاص هو الفارق الجوهري بين رجوع يثمر يقينا وثباتا، ورجوع يبقى مهددا بالانتكاس، نسأل الله السلامة.

وأخطر ما يواجه العائد إلى الإسلام بعد الكفر أن يحمل معه بقايا الاستعلاء العقلي أو فكرة المساومة مع الوحي، فيؤمن بشرط، ويقبل بشرط، ويُسلِّم بشرط {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یَعۡبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرۡف}. وهنا يتجلى معنى الإخلاص بوصفه خضوعا كاملا لمقام العبودية، إذ لا يدخل الإنسان في الإسلام ليجربه من جديد، ولا ليكيِّفه على مقاسه، ولا ليختار منه ما يوافق هواه، بل ليخضع له خضوع من أدرك أن الحق لا ينتقى، وأن الوحي لا يفاوض. فالإيمان المشروط إيمان هش، سرعان ما ينهار عند أول اختبار.

ويتجلى الإخلاص في العودة الصادقة أولا في صدق الانكسار، بأن يعترف العائد بينه وبين الله أنه أخطأ، وأنه هو من أخطأ لا غيره، وليس لأن التجربة السابقة في الكفر خذلته، ولا لأن البدائل لم تشبع حاجته، بل لأن الله هو الحق وما سواه باطل. ويتجلى ثانيا في تجريد القصد، بأن يكون الرجوع إلى الإسلام طلبا لمرضاة الله لا بحثا عن سكينة نفسية عابرة، ولا هروبا من فراغ روحي، ولا استجابة لظرف اجتماعي. وكثير من حالات الفشل في الثبات مردها إلى أن الدافع لم يكن تعبديا خالصا، بل نفسيا مؤقتا.

ثم إن الإخلاص يفرض على العائد إلى الإسلام موقفا منهجيا واضحا، يقوم على التسليم للوحي مع الفهم ومع انعدام الفهم، لا على التسليم المشروط ولا على الاعتراض المتكبر (وهما خطيئة إبليس الكبرى).

صحيح أن الإسلام لا يلغي العقل، لكنه يضعه في موضعه الصحيح؛ آلة لفهم الوحي لا قاضيا عليه. ومن لم يَصْدق في هذا الباب، بقي متأرجحا بين الإيمان والشك، وبين التسليم والاعتراض، مهما بدا في الظاهر مستقيم السلوك.

وأما مآل الإخلاص في هذه العودة انكسارا وتجريدا ومنهجا، فهو أن يفتح الله للعائد أبواب الفهم عنه والرحمة والثبات، وأن يمحو عنه ثقل الماضي مهما عظم، فالله لا يحاسب العبد في مرحلة كفره إذا أقبل عليه بصدق، بل قد يكون بعد سقوطه أقرب إلى الله مما كان قبل انحرافه. وهكذا تتحول التوبة الصادقة النصوح من حدث عابر إلى مسار حياة، وتغدو العودة إلى الإسلام شهادة على عظمة هذا الدين، لا على ضعف العائدين إليه، فمرحبا بكل عائد إلى الله.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
18°
19°
الجمعة
19°
السبت
17°
أحد
16°
الإثنين

كاريكاتير

حديث الصورة