د.بنكيران: عندما تتحول الفتوى إلى تبرير للضرر.. “التدخين نموذجا”!!!؟؟؟؟

02 يناير 2026 18:24

هوية بريس – د.رشيد بن كيران

◆ استمعت في برنامج يسألونك على قناة السادسة إلى فتوى تتعلق بحكم التدخين، صادرة عن الأستاذ حسين مفراح، تضمنت تقريرا مفاده أن التدخين في واقع اليوم تتجاذبه ثلاثة أحكام: الإباحة والكراهة والتحريم، وذلك بحسب درجة تضرر المستعمل له، على اعتبار أن مناط الحكم في نظر هذا المفتي قاصر على درجة الضرر الشخصي المباشر للمدخن فردا فردا.

◆ وهذا القول الذي صدر من هذا الاستاذ غير محرر علميا، ويقوم على تصور قاصر للمناط الشرعي، وعلى حصر غير صحيح لدائرة الضرر، ويخالف أصول الاستدلال ومقاصد الشريعة وقواعدها الكلية.

ويمكن بيان الرد العلمي عليه من خلال تفكيك هذا القول من حيث التصور، والتنزيل، والمآل.

■ أولا: الخلل في تصور المناط الشرعي

هذا القول يفترض أن مناط الحكم هو الضرر الشخصي المباشر، وأن الحكم يختلف باختلاف درجة تضرر كل فرد. وهذا التصور مردود شرعا؛ لأن الشريعة لا تربط الأحكام الكلية بالانطباعات الفردية أو بالتحمل الشخصي للضرر، بل تربطها بوصف موضوعي منضبط غالب.

فالسم مثلا لا يقال فيه: هو حرام على من يهلكه، ومكروه على من لا يهلكه، بل حكمه واحد لأن وصفه الغالب الإضرار، وإن تفاوتت الآثار.

وكذلك الخمر، لا يقال: هو حرام على من يسكره، مباح على من لا يسكره، بل حُرِّم لعلته الغالبة لا لتأثيره في كل شخص على السواء.

والتدخين اليوم، بعد ثبوت أضراره يقينا، صار موصوفا #وصفا_غالبا_بالإضرار، لا مجرد احتمال نادر أو خلاف معتبر.

■ ثانيا: ثبوت الضرر ثبوتا قطعيا لا ظنيا

لم يعد ضرر التدخين من باب الظن أو الاجتهاد الطبي، بل ثبت ثبوتا قطعيا عرفا وطبا، حتى صار من #المسلمات_العلمية، وتشهد له:

– ارتباطه المباشر بأمراض قاتلة ومزمنة.

– ثبوت أثره التراكمي، لا اللحظي فقط.

– ثبوت ضرر ما يسمى بـالتدخين غير المباشر على غير المستعمل له.

ومتى ثبت الضرر ثبوتا عاماوغالبا انتقل الحكم من دائرة الترخيص إلى دائرة المنع؛ لأن الشريعة تمنع الوسائل المؤدية إلى الهلاك والمرض ولو تدريجيا.

■ ثالثا: بطلان حصر الضرر في المستعمل فقط

من أخطر ما في هذا القول حصره الضرر في ذات المدخن، وهو حصر مخالف للواقع ومخالف للشرع.
فالمدخن لا يضر نفسه فقط، بل:

– يضر أهله وأبناءه ومحيطه بالتدخين السلبي.

– يضر الدولة والمجتمع صحيا واقتصاديا (كلفة العلاج، تعطيل الإنتاج، وغيرهما من المفاسد).

– يضر المال العام والخاص فيما لا نفع فيه.

– يرسخ سلوكا ضارا قدوة وتقليدا.

والشريعة لا تبيح للفرد أن يتلف نفسه بحجة أنه المالك لها، فضلا عن أن يتلف غيره تبعا. وقد تقرر في القواعد أنه: “لا ضرر ولا ضرار”.

فكيف يقال بعد ذلك بالإباحة أو الكراهة مع تحقق الضرر المتعدي!!!؟؟؟

■ رابعا: مخالفة هذا القول لمقاصد الشريعة

مقاصد الشريعة تقوم على حفظ الضروريات الخمس، وأهمها:

– حفظ النفس: والتدخين اعتداء تدريجي عليها.

– حفظ العقل: لما فيه من إدمان وتغييب.

– حفظ المال: لإنفاقه في مهلكة.

– حفظ النسل: لما ثبت من آثاره على الأجنة والخصوبة.

ولا يعقل أن تقر الشريعة وسيلة تنافي هذه المقاصد جملة، ثم يقال فيها بالإباحة أو الكراهة. هل يقول هذا عاقل!!؟؟

■ خامسا: الخلط بين اختلاف الأشخاص واختلاف الحكم

صحيح أن الناس يختلفون في سرعة التضرر بالتدخين وبغيره من السموم، لكن هذا لا يقتضي اختلاف الحكم؛ لأن الحكم الشرعي يبنى على الوصف المناسب لعموم الناس لا لخواصهم، وإلا انهدمت الأحكام، وصارت الشريعة خاصة لا عامة.

– فلا يقال الربا حرام على الفقير مباح على الغني،

– ولا الخمر حرام على من يسكره مباح على من لا يسكره.

■ سادسا: خطأ تنزيل قاعدة “الأصل في الأشياء الإباحة”

الاستدلال بالإباحة الأصلية هنا في غير موضعه؛ لأن هذه القاعدة مقيدة بعدم قيام المفسدة. فإذا ثبتت المفسدة الغالبة، انتقل الحكم تلقائيا إلى التحريم، ولا يبقى للأصل مجال. والتدخين لم يعد أمرا مجهول العاقبة، بل صار معلوم الضرر، كما يقال معلوم من الواقع بالضرورة ولا مجال لأدنى شك، فتعلق به النهي من باب:

– إلقاء النفس في التهلكة.

– إضاعة المال.

– الإضرار بالنفس والغير.

وختاما، إنالقول بأن التدخين اليوم تتجاذبه الإباحة والكراهة والتحريم بحسب تضرر المستعمل له فقط، قول فاسد من جهة التصور؛ لأنه حصر المناط في الفرد.

وفاسد من جهة التنزيل؛ لأنه تجاهل الضرر المتعدي.

وفاسد من جهة الأصول؛ لأنه خالف القواعد الكلية.

وفاسد من جهة المقاصد؛ لأنه ناقض حفظ النفس والمال.

والراجح المتعين اليوم بعد ثبوت الأضرار يقينا أن التدخين محرم شرعا، لا باعتبار حالة فردية، بل باعتبار وصفه العام وآثاره المتحققة، ولا يُخرجه من التحريم تفاوت الناس في سرعة الهلاك، كما لا يُخرج السم من التحريم أن بعض الناس يتحمله أكثر من غيره.

وهذا هو القول الموافق للأدلة السالمة من المعارضة، ولأصول مذهب مالك، ومقاصد الشريعة، والواقع العلمي، دون تهويل ولا تساهل.

وممّا يثير الاستغراب في هذا السياق نسبة القول بالحلية أو الإباحة إلى السادة المالكية، مع أن أقوالهم التي ورد فيها شيء من الترخيص إنما صدرت في زمن لم تكن فيه حقيقة التدخين ولا مفاسده وأضراره الصحية والاجتماعية معلومة على وجه التحقيق، فضلا عن ثبوتها ثبوتا قطعيا كما هو الشأن في واقع اليوم؛ ومن ثم فإن تنزيل تلك الأقوال على هذا الواقع يعدّ إخلالا بمقتضيات تغير المناط وتبدل الأعراف والعلوم، وفي الأمر شيء آخر لا داعي لذكره، والله المستعان.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
18°
18°
السبت
17°
أحد
16°
الإثنين
13°
الثلاثاء

كاريكاتير

حديث الصورة