“خطبة الجمعة”.. خطوة هامة نحو الإجادة

هوية بريس – د.مصطفى قرطاح
خطبة الجمعة لهذا اليوم تستحق قدرا كبيرا من التنويه والإشادة، لما سجلته من تحسن ملموس على مستوى معالجة موضوع “الوفاء بالعقود”، الأمر الذي يجعلني أقدر أن الذي كتبها هو واحد من سادتنا علماء هذا البلد، الذين يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، ويتابع ما يعتمل في الساحة من نقاش ونقد للخطبة الموحدة، وتبلغه اللغة المتشنجة للسيد الوزير وانفعاله الشديد نحو هذا النقاش والنقد، ودعوته السادة العلماء إلى الدفاع عن خطته وخطبته، فكأنه بهذه الخطبة يرد على السيد الوزير: إن كنت تريد منا أن نسهم في الدفاع عن الخطة والخطبة، فسنقوم بذلك من الخطبة ذاتها، إذ يجب أن تكون هذه الخطب تراعي أصول وقواعد الخطاب الشرعي، وأن تكون في مستوى ذكاء المغاربة وتحترم عقولهم، ومن ثم جاءت خطبته بقدر كبير من التوازن في الخطاب والتذكير الشامل لأطراف العقود بالمسؤوليات الملقاة على عاتقهم.

مما تتميز به خطبة الجمعة لهذا اليوم هو حسن الترتيب، إذ بدأت بالحديث عن العقد الجامع بين العبد وربه؛ إذ هو أساس العقود كلها، ثم انتقلت إلى العقد بين الدولة والمواطنين، ثم انتهت بالعقد الناظم لشؤون الأسرة وهو عقد الزواج، وبهذا تكون خطبة حسنة المنهج؛ انطلقت من الأصل الأصيل، تم تدرجت إلى القضايا الكلية الأعظم فالأعظم، مقتبسة هذا الشمول والترتيب من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته،… الحديث.
وجديد هذه الخطبة هو التوجه إلى الدولة ومؤسساتها بشكل مباشر، وهو تغيير جذري في منهج الخطبة الموحدة في إطار خطة تسديد التبليغ، إذ كانت الوزارة الوصية مصرة على أن لا يتوجه الخطاب الديني في المساجد إلا إلى الأفراد فقط، ومضت في إلزام الخطباء بذلك، إلى حد توقيف أي خطيب يعلم عنه انتقاد مؤسسة عمومية في تفريطها بواجباتها نحو المجتمع، أو تبذيرها للمال العام، أو إخلالها بقيم المغاربة وثقافتهم.
وفضلا عن شذوذ هذا التوجه عن أصول وقواعد الخطاب الديني، كما هي معروفة في القرآن الكريم وخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، وما عمل به المغاربة عبر تاريخهم، فإن هذا التوجه قد خلق عند المغاربة شعورا بالتناقض، إذ يتابعون بعض مظاهر المنكر والفساد التي تتم برعاية مؤسسات وهيئات وليس أفراد، ثم يتساءلون في استغراب شديد: كيف لا يحق للعالم والخطيب أن ينصح تلك المؤسسات وينتقد انحرافها؟
وهكذا اتجهت خطبة اليوم نحو إعادة الأمر إلى نصابه، فخاطبت الدولة بشكل مباشر، في مواضيع تمس المغاربة جميعا، وتؤرقهم، وتنهك مواردهم المالية، وتورث عندهم القلق والخوف على حالهم ومستقبلهم ومستقبل أبنائهم: إنها مواضيع التعليم والصحة والأمن، فدَعَتْ الدولةَ إلى تحمل مسؤولياتها في هذا الجانب؛ والوفاء بعقدها نحو المغاربة، بأن تعلم أبناءهم تعليما جيدا نافعا لهم في دنياهم وأخراهم، وأن تعمل على تربيتهم على القيم والأخلاق الفاضلة. كما ذكرت الدولة بواجبها نحو صحة المغاربة، ودعتها إلى القيام بواجبها نحوهم بأن تسهر على المحافظة على السلامة الصحية للوطن والمواطنين، كما دعت إلى القيام بواجبها في تحقيق الأمن للمغاربة.
نعم، هذا الثلاثية “التعليم والصحة والأمن” هي مطالب المغاربة جميعا، ولكنها تذكرنا بمطالب جيل Z على الخصوص، والمظاهرات التي نظمها ورفع فيها شعارات تنادي بتحقيق تلك المطالب. ومن ثم فأفراد هذا الجيل سيجدون في هذه الخطبة ذاتهم، وسيجدون في المسجد مأوى لهم، وسيرون في الخطيب مناضلا إصلاحيا يرفع مطالبهم…
أتمنى صادقا أن يتكرس هذا الاختيار المنهجي في إعداد الخطب، وأن تتوجه الخطب الموحدة مستقبلا إلى الدولة لأداء واجباتها في الجانب الثقافي والإعلامي والسياحي والقضائي والرياضي، فهي جوانب تشهد من الفساد والاختلال الشيء الكثير، وهو ما يعود بأثر سيء جدا على تدين المغاربة وصلاحهم وثقتهم في مؤسسات بلادهم.
جزى الله خيرا من أعد خطبة اليوم، وجعلها في ميزان حسناته، ونفع بها المغاربة جميعا: أفرادا وأسرا ومؤسسات والوطن كله، والحمد لله رب العالمين.



