التلاعب بالفتوى.. من الإفتاء بإخراج الزكاة عن الحشيشة إلى إباحة التدخين

03 يناير 2026 10:28

التلاعب بالفتوى.. من الإفتاء بإخراج الزكاة عن الحشيشة إلى إباحة التدخين

هوية بريس – محمد عوام

منذ تولي الوزير أحمد توفيق تسيير الشأن الديني في المغرب، والأمور تسير نحو الإفلاس، ولا تبعث على التفاؤل والارتياح، فقد اتخذ سياسة ممنهجة في توقيف الخطباء، ولو أنكروا منكرا معلوما من دين الله ضرورة، أو ناصروا إخوانهم المستضعفين في فلسطين، ثم تجرأ على إباحة الربا الحرام حتى لا يحرج ضمير المسلمين، ثم جاءنا بخطة زعم أنها سديدة ورشيدة لتوحيد الخطبة، وطفق يلزم الخطباء بها، ولم يكتف بذلك وإنما وصف منتقدي خطة تسديد التبليغ بالخوارج…

وإذا كان رب البيت للطبل ضاربا     فلا تلمن الصغار على الرقص

والآن لم يكتف الصغار بالرقص والزمر وإنما تجرأوا على إفتاء الناس بما هو محرم، بل بما صار معلوما لدى العالم كله إنسه وجنه أنه مقطوع بحرمته، أكدت حرمته المجامع الفقهية، وضرره المختبرات والتحاليل العالمية، حتى صار من المقطوع به اليوم، وهو التدخين.

لكن يطلع علينا عضو المجلس العلمي الأعلى المدعو لحسن مفراح بكلام غريب وعجيب في شأن التدخين، وإن كنت لا أستغرب منه ذلك، لأنه سبق أن تجرأ وأفتى تجار الحشيشة وأباطرة المخدرات بإخراج الزكاة، وأخشى أن يفتي غدا النساء بإباحة السباحة في الشواطئ بالبكيني. فمثل هذه الجرأة لا تقف عند حد، ولا تلتفت إلى قواعد الشرع ومقاصده.

والغريب أن يدعي “المفتي” في عصر تطور العلوم الطبية، والكشوفات المخبرية أن التدخين تعتريه الأحكام الأربعة “يكون حراما، ويكون مباحا وهذا هو الأصل، ويكون مكروها على الأقل، يكون حراما في حق من يضر به شخصيا، وهنا تحقيق المناط، مناط استعمال التبغ بحسب وضعية الإنسان، هناك شخص بدنه ضعيف أو كذا وكذا، ويضر به ماليا، فهذا نقول يحرم عليه، كاين من يستعمله استعمالا متحكما فيه، ويستعمله لينشط به، فهذا مباح، وهناك من في حقه مكروه مثل الفقيه…فإطلاق الحرمة خطأ” واستدل بعلي الأجهوري بأن من يحرمه إطلاقا لا عقل شرعي له، ولا عقل طبيعي له” ثم ناقض نفسه بعد تعقيب مسير البرنامج عليه فقال: “كل ما يضر بالصحة فيحرم”

والذي يجهله “المفتي” أو بالأحرى يتجاهله، هو ما تفيد به التقارير الطبية، وتؤكده التحاليل المخبرية أن السيجارة تحتوي على 4000 مادة سامة، أخطرها أكسيد الكربون والنيكوتين، كما يحتوي على 37 مادة مسببة للسرطان، أليس هذا كاف في القول بالحرمة وعدم استصحاب القول بالكراهة عند بعض فقهائنا المتقدمين؟ فلو عاشوا إلى زماننا واطلعوا على ما اطلعنا عليه، وسمعوا من الأطباء ما سمعناه، فهل يسعهم ان يبقوا متشبثين بالكراهة؟

هذا يعني أن “مفتي” الحشيشة والتدخين يجهل المعطيات العلمية، أو لا تروق له أمام ما يصبو إليه من تحليل ما هو محرم، والمجامع الفقهية اليوم كلها بلا استثناء تحرم التدخين، بل إن التدخين أشد ضررا من الخمر. وإذا كان مناط التحريم هو الضرر، فإن الضرر يزال، ولا يتعلق بحسب وضع الإنسان الصحي، لأن الضرر قد يحصل في الحال أو في المآل، فيكون التحريم مرتبطا بهما معا حالا إن حصل، ومآلا. والشرع من قواعده لا يلتفت إلى النزر اليسير، بمعنى وجود قلة من الناس قد لا يؤثر فيهم الخمر أو التدخين مثلا، وإنما العبرة بالغالب. فما أسكر كثيره فقليله حرام، كما هو معلوم.

وقد اعتمد مفراح على ما ذكره علي الأجهوري، صاحب كتاب (غاية التبيان لحل شرب ما لا يغيب العقل من الدخان)، فذهب إلى القول بحليته في حق من لم يضره، “ومن ضره بإخبار عارف يوثق به أو بتجربة في نفسه حرم عليه” (انظر الفتاوى الفقهية في أهم القضايا من عهد السعديين إلى عهد الحماية 329). والأجهوري هذا المتوفى سنة 1066هـ كان مدمنا على التدخين، فكأنما أخرج فتواها بحسب إدمانه، فتلقفها لحسن مفراح مفتي الحشيش والمخدرات فروج لها بطريقته هذه، متجاهلا كشوفات العصر وفتاوى أبناء الدهر، أليس هذا زرع للفتن وتحريف لدين الله، والتقول عليه؟.

وقد رد على الأجهوري الفقيه عبد الكريم بن محمد الفكون القسنطيني بكتاب سماه (محدد السنان في نحور إخوان الدخان) وأغلظ له القول، مثبتا ما حواه التدخين من مفاسد منها تغييب العقل. فماذا عساه أن يقول اليوم لو سمع بالتقارير الطبية والأبحاث العلمية؟

وقد أفتى بتحريم التدخين علماء أجلاء من الصوفية وغيرهم، منهم الشيخ محمد بن ناصر الدرعي رحمه الله (ت1085هـ)، قال في أجوبته: “اتفقت كلمة علماء الظاهر أهل البصائر، وجميع أهل العلم الباطن على تحريمها (عشبة الدخين) ، ولم يتكلم فيها بالحلال إلا أهل الهوى، ولا يشربها إلا المهتوفون، ومن يشرب تبغا أو يشم الشم، فليس له عندنا شيء” (الأجوبة الناصرية).

ويبدو أن “مفتي” القناة السادسة لا يهمه حتى لو كتبت شركة التبغ على علبه (قاتل)، مادام قد اتخذ لنفسه أن يكون مضادا للحق، ومستهترا بالشرع، ومتنكرا لقواعده، ومبطلا لمقاصده في حفظ الأنفس والمهج.

وختاما لا يخفى أن التصدر للإفتاء أمر عظيم في الدين، ومنصب خطير، لأن المفتي كما ذكر ابن القيم رحمه الله موقِّع عن الله. ولقد كان علماؤنا الأجلاء يهابون الفتوى، خشية الوقوع في الخطأ، وهم في ذلك على علم أن المجتهد مأجور على خطئه في اجتهاده، فضلا عن صوابه، هذا إن كان المفتي أهلا للفتوى علما وحالا.

وها هو الإمام مالك رحمه الله يتخذ شعاره فيما لا يحسن جوابه قوله: “لا أدري” قال ابن وهب: “سألت مالكاً في ثلاثين ألف مسألة نوازل في عمره، فقال في ثلثها أو شطرها أو ما شاء الله منها لا أحسن، ولا أدري” (ترتيب المدارك وتقريب المسالك 1/ 183). وطبعا فجنة العالم لا أدري فإن هو أخطأها أصيبت مقاتله.

فأي مصداقية للشأن الديني في المغرب إذا كان يتصدر الإفتاء فيه الفتانون؟ وأي مصداقية للقناة السادسة إذا كانت تروج لما هو باطل في الشرع مثل إخراج الزكاة عن الحشيشة والمخدرات، وإباحة التدخين، وشراء الأضحية بالاقتراض من البنك الربوي، فهل هذا مشروع علمنة الدين وإفساده أم هو خروج عن ثوابت الدين؟ أم هو نقض لإسلامية الدولة كما ينص عليها دستور المملكة؟ أم ماذا؟

لقد كان الإمام مالك إذا سئل عن مسألة يكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله. ولا يسعنا ونحن نسمع فتوى عضو المجلس العلمي الأعلى لحسن مفراح وهو يبيح التدخين إلا أن نكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله. ونعوذ بالله من الخذلان.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
7°
14°
الأربعاء
14°
الخميس
14°
الجمعة
15°
السبت

كاريكاتير

حديث الصورة