تعليقات موجزة على مناظرة الشيخ شمائل الندوي مع الملحد جاويد أختر

هوية بريس – د.هشام عزمي
أولًا: الشيخ شمائل تكلم عن أدلة عقلية تقوم على السببية، بما أن العالم مسبب، أو مشروط حسب الترجمة العربية، فلابد له من سبب، لابد له من خالق، وهذا دليل عقلي ليس خاصا بالمتكلمين ولا علم الكلام، وليس فيه المشاكل المعروفة للحجة الكلامية من قبيل تماثل الأجسام والجوهر الفرد والعرض لا يبقى زمانين وغيرها من الأطروحات الكلامية التي تقال في هذ السياقات، بالعكس كان الكلام بعيد عن هذه الشنشنات تماما، كلام يقوله السلفي والأشعري والمعتزلي، بل واليهودي والنصراني كذلك! ليس فيه اختصاص بعلم الكلام.
وهذا يقودنا لفكرة التهويل المبالغ فيه من بعض المؤثرين على الميديا أن هذا صعود لعلم الكلام من جديد، وانه برهان جليٌّ عليٌّ على أن السبيل الوحيد لا شريك له لإثبات وجود الله هو علم الكلام ومثل هذا الهراء.
والحقيقة ان الشيخ شمائل لم يذكر من الأدلة على وجود الله إلا هذا الدليل فقط، ولم يذكر غيره، ولا حتى توسع في الدليل والرد على الاعتراضات عليه، لأن جاويد الملحد نفسه لم يناقشه أصلا، ولم يكن لديه أي رد عليه على الإطلاق!
بل الطريف ان الشيخ شمائل حاول في بعض جولات المناظرة ان يجر جاويد لموضوع الدليل على وجود الله ويسأله ان كان عنده جواب أو رد على حجته في الاستدلال على وجود الله، فلم يجد ردا! وكذلك حاول أن يجر جاويد للكلام عن التسلسل، الذي هو تسلسل العلل، فكذلك الملحد لم يفهم الكلام وطلب منه أن يشرحه له بطريقة سهلة وبسيطة، لأجل هذا الشيخ شمائل لم يتوسع أصلا في الكلام عن الأدلة على وجود الله، لأن المحاور الملحد كان متهافتا تماما في هذه الجزئية، وهذا يجرنا للكلام على ثانيا.
ثانيا: مستوى المحاور الملحد متواضع جدا، يعني لا يفهم في العلوم التجريبية حتى يحضر حججا مستقاة من أطروحات في الفيزياء أو البيولوجيا مثلا، ولا يفهم في الفلسفة ومجال الاستدلال العقلي عموما حتى يجاري المناظر المسلم قدامه، بل بالعكس ظل يتكلم في قضايا من قبيل تاريخ الأديان واختلافها وكيف أن إله يطالبك بالإيمان به وكلام فارغ عاطفي لا يخاطب العقل، وإنما يخاطب وجدان المتابعين، حجج ضعيفة وهزيلة وسقيمة وعقيمة جدا.
لهذا أنا مستغرب من الناس الذين طاروا بالمناظرة، والذين يقولون أقوى مناظرة في العصر الحديث، ومناظرة القرن، وكلام كبير وتهويل مبالغ فيه، بصراحة مبالغات ليست في محلها إطلاقا، ونحن عندنا في مشروع طريقك إلى اليقين في مركز الفتح حوارات أقوى من هذا، سواء من الطرف المسلم أو الملحد، بل المناظرات المنشورة لشخص مثل د. هيثم طلعت أعلى بكثير من هذه المناظرة، سواء معرفيا أو علميا، لكن عموما هذه المبالغات تليق إجمالا بالطبيعة النفسية لكثير من المشاهدين لهذه السجالات.
ثالثا: ذكر الشيخ شمائل في بداية المناظرة ان العلم لا يثبت ولا ينفي وجود الله، وهذا كلام لا يصح على إطلاقه، وهو مقبول في السياق الذي قصده الشيخ شمائل، لكن لابد للكلام في هذه المسألة ان يكون محررا حتى لا نقع في اللبس، لأن الله تعالى فعلا ليس من موضوعات العلم التجريبي، يعني لا يدخل المعمل ولا تحت الميكروسكوب ولا هذا الكلام، لكن كذلك الاستدلال على الخالق من خلال مكتشفات في علوم الفيزياء والكيمياء والأحياء والفلك وغيرها من قبيل الدقة والإتقان والإحكام في الخلق هو استدلال صحيح وسليم عقلا، ولا يصح أن نرفضه بحجة أن العلم التجريبي لا يثبت ولا ينفي! فنحن بهذه الطريقة نقول الكلمة التي سوف تنقلب علينا بعد ذلك، لهذا كلام الشيخ شمائل في هذه المسألة لا يجوز على إطلاقه، بل فيه تفصيل مهم جدا جدا جدا.
رابعا: تكرر في المناظرة الكلام عن علاقة الله بالزمان في عدة جولات من المناظرة، حوالي 3 أو 4 جولات، قال الشيخ شمائل إن الله لا يخضع للزمان وليس له زمان، واعترض الملحد جاويد على هذا الكلام ولم يقبله وجادل كثيرا جدا فيه، وبصراحة اعتراض الملحد في محله لأن الزمان الذي نقصده عند الكلام عن أفعال الله هو زمان اعتباري، زمان بين فعل وفعل، وليس مخلوقا وجوديا له وجود وكينونة!
لذلك اعتراض الملحد جاويد كان أقرب للفطرة والعقل من كلام الشيخ شمائل في هذه الجزئية، وهو قال له أنت تقول إن الله كان موجودا قبل الكون، إذن انت بتكلم عن زمانٍ ما! وتقول إنه أزلي يعني كان قبلنا وسيبقى بعدنا، إذن انت تتكلم عن زمانٍ ما! لكن الشيخ شمائل ظل على موقفه أن الله مطلق ميتافيزيقي ليس له زمان ولا مكان، فتعجب الملحد من كلامه وقال له أنا غير فاهم ميتافيزيقي في هذا السياق، انت وكأنك تقول غير موجود، كائن ليس له زمان ولا مكان يعني غير موجود، وفعلا كلامه في محله بصراحة رغم انه كان متهافتا في بقية النقاشات العقلية، لكنه في هذا الموضع كان أقرب للحق من الشيخ شمائل.
خامسا: الكلام عن مشكلة الشر كان فيه مسائل مهمة، أولها ان الشيخ شمائل استعمل أطروحة دفاع الإرادة الحرة لألفين بلانتينجا، الفيلسوف الأمريكي البروتستانتي المعروف، وخلاصتها ان ربنا خلق للإنسان إرادة حرة لكي يختبره، وبما ان له إرادة حرة فهو قادر على فعل الشر، وهذا سبب الشرور، وربنا ليس له علاقة بها.
طبعا هذا الطرح من لوازمه ان العباد هم الذين يخلقون أفعالهم وأن الله ليس له سلطان عليها، وهو انتقاص من قدرة الله تعالى، يعني انت في سياق معين تبالغ في تنزيه الله حتى تنفي عنه الزمان والمكان، وهنا تنتقص من قدرته وسلطانه على عباده المخلوقين؟! كلام غلط جدا.
لهذا الملحد جاويد لما قال له انتم تقولون إن الله يحيي ويميت، طيب الذي يقع عليه القتل، من قتله؟ الله أم الإنسان؟ فقال له الشيخ شمائل القاتل هو المسؤول وهو الذي يعاقب، فألزمه الملحد بأن هذا معناه أن الله ليس له قدرة على الموت ولا على القتل ولا على أفعال العباد، وهذه لم يكن عند الشيخ شمائل رد عليها وضاعت في وسط المناظرة. وبصراحة هذه المسألة لابد للمتكلم فيها أنه يحرر جيدا العلاقة بين إرادة الله وإرادة العبد المخلوق حتى يقدر أن يجيب فيها جيدا على الاعتراضات والشبهات ويجادل المخالفين، لاسيما الملحدين!
كذلك ردود الشيخ شمائل على مشكلة الشر كان من الممكن أن تكون أقوى من ذلك، لا أقول إنها خاطئة، لكن هناك ردود تكون مناسبة لطبيعة المناظرات اكثر من ذلك، يعني الشيخ شمائل رد على وجود الشر بأن له حكمة وغاية في علم الله العليم الحكيم، ولما الملحد جاويد وعدد الجمهور سأله عن أطفال غزة والقتل وسفك الدماء الذي يقع فيهم قال نفس الإجابة وهي أن الله له حكمة تخفى علينا، وهذا جعل الملحد يسخر منه ويقول له إن رئيس وزراء إسرائيل سيفرح جدا بإجابتك هذه، وهذه في الحقيقة ليست إجابة خاطئة، لكن المقام كان يقتضي إجابات أخرى، مثلا تقول إن هناك آخرة وسيكون فيها الحساب وأن الله يمهل ولا يهمل، أو تقول إننا ما زلنا في منتصف القصة ولم نشاهد نهايتها بعد، ويجوز نشهد انتقام الله القدير من الظلمة والفسدة والقتلة، ونشوف رفعة قدر أهل غزة في المستقبل، وغيرها من الإجابات التي تناسب جو المناظرات والسجالات من هذا النوع، والله أعلم.
أخيرا: وهذا تقييم عام لطرفي المناظرة، كان واضح التفوق الإجمالي للشيخ شمائل على جاويد في المناظرة، الملحد جاويد كان ضعيف جدا، يعني الملاحدة عندهم ما هو أقوى من هذا الطرح بكثير جدا جدا، في المقابل الشيخ شمائل لم يقدم أقوى ما في الطرح الإسلامي أو المثبت لوجود الخالق بشكل عام، وأنا أعرف أن مسائل كثيرة طرحت في المناظرة كان ممكن تكون لها ردود أفضل أو إجابات أقوى، لكن إجمالا هو تفوق على جاويد بشكل واضح الحقيقة.
رغم هذا لا داع لطرح مبالغات عن المناظرة وأنها أقوى مناظرة وأهم مناظرة وهذا الكلام لأنه بعيد تماما عن الواقع، والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



