الاستعمار والتلاعب بهوية المغاربة: قراءة في جدل “السنة الأمازيغية”

هوية بريس – متابعات
في سياقٍ يتجاوز النقاش الثقافي المعتاد، يثير الجدل المتصاعد حول ما يُسمّى “السنة الأمازيغية” أسئلة عميقة تتصل بالهوية والذاكرة وحدود التوظيف الإيديولوجي للتاريخ. قراءةٌ تحليلية يستعرضها الباحث في علم الاجتماع السياسي أحمد ويحمان، محذّرًا من مخاطر “الاستعمار المعرفي” حين يتخفّى في الرموز والسرديات.
من الاختلاف الثقافي إلى “إعادة هندسة الوعي”
يرى ويحمان أنّ ما يجري “ليس اختلافًا ثقافيًا مشروعًا ولا نقاشًا هوياتيًا صحيًا”، بل انتقالًا إلى لحظة أخطر “حين يصبح الاستعمار المعرفي أخطر من الاستعمار العسكري نفسه”، لأنّه يتسلّل إلى العقول عبر الثقافة والذاكرة، فيصعب التنبه له بعد ترسّخه. ويستحضر في هذا السياق تشبيه “الضفدع المطبوخ” للدلالة على التدرّج الخادع في فرض المعاني.
تقويم “غريب” ورمز “مُلتبس”
ويؤكد الكاتب أنّ الاحتفاء الرسمي بما يُقدَّم باعتباره “سنة أمازيغية” لا يأتي معزولًا، بل ضمن “مسار مدروس لإعادة هندسة الوعي”، عبر فرض تقويم “غريب عن الذاكرة الجماعية” وربطه برمز تاريخي مثل الفرعون المصري شيشناق، الذي “لا توجد أية علاقة له بتاريخ المغاربة ولا بإمازيغن ولا بالسنة الفلاحية” التي شكّلت المرجع الزمني الجامع للمغاربة، عربًا وأمازيغ.
صناعة السردية: من “اختراع التاريخ” إلى توظيف الهوية
ويستند ويحمان إلى أطروحات الباحث البريطاني كيث وايتلام حول “اختراع إسرائيل القديمة”، مبرزًا أن أخطر الاستعمار يبدأ بـ“صناعة سردية تاريخية زائفة تُقدَّم كحقيقة علمية، ثم تُستعمل لتبرير مشروع سياسي”. فالتاريخ، بحسب هذا المنطق، “لا يُكتب لفهم الماضي بل يُختلَق لخدمة الحاضر ورهن المستقبل”.
رموز انتقائية وأسئلة مسكوت عنها
ينتقد المقال استدعاء خليطٍ من الرموز المتنافرة—من الكاهنة ديهيا إلى “قرآن بورغواطة”—بوصفه انتقاءً إيديولوجيًا “لا يجمعه منطق علمي ولا سياق تاريخي”، ويطرح سؤالًا مباشرًا: “ما علاقة هذه الرموز بالمغرب وبالمغاربة وبإمازيغن الذين تشكّلت هويتهم التاريخية في حضن الإسلام؟”.
الدولة وتيار “التأمزغ المتصهين”
يحذّر ويحمان من “مجاراة الدولة” لتيارٍ يعتبره قائمًا على “منطق قريب من التقديس التوراتي للأرض والادعاء الرمزي بالسبق والاصطفاء”، في مسارٍ يتدرّج من “أسطورة، ثم رمز، ثم تقويم، ثم ‘حق تاريخي’ مزعوم”، وهو—بحسبه—المنطق نفسه الذي مهّد للاستيطان في فلسطين.
السنة الفلاحية: ذاكرة جامعة
في مقابل التقويم “المفروض من فوق”، يذكّر الكاتب بأن السنة الفلاحية ظلّت “الذاكرة الزمنية الثقافية الحقيقية للمغاربة”، وذكرى وطنية عاشها الناس في الحقول والقرى، لا في “المختبرات الإيديولوجية”، بما يعكس تداخل العروبة والأمازيغية تاريخيًا دون صراع.
خاتمة: معركة وعي طويلة النفس
يخلص المقال إلى أنّ “تزوير التاريخ لخدمة السياسة” ليس تنوّعًا ثقافيًا، بل “مشروع اختراق ماحق”، داعيًا إلى وعيٍ يقظٍ ومتواصل، وإلى “التسمية والفضح” بدل الصمت والمجاملة، لأن الاستعمار حين “يتخفّى في ثوب الهوية لا يُهزم إلا بوعي مصمّم”.



