كرة القدم وصناعة الفتنة بين المغرب والجزائر

10 يناير 2026 21:55

كرة القدم وصناعة الفتنة بين المغرب والجزائر

هوية بريس – عابد عبد المنعم

في لحظة إقليمية دقيقة، وعالم لا يعترف إلا بمنطق التكتلات الكبرى والقوة الناعمة والصلبة، يبدو من العبث، بل من الخطر، النفخ في نيران العداوة بين شعبين تجمعهما روابط الدين والتاريخ والجغرافيا والمصير. غير أن ما نشهده اليوم، خصوصا في الفضاء الرقمي والإعلامي، هو تحويل كرة القدم من لعبة شعبية إلى وقود للفتنة، ومن تنافس رياضي إلى حرب رمزية تُغذّي الضغينة والحقد بين المغاربة والجزائريين.

فما يُسمّى بالحرب الكروية بين المغرب والجزائر لم تنشأ من فراغ، لقد صُنعت وتضخّمت بفعل مؤثرين وصحفيين ومنصات رقمية جعلوا من السبّ والشتم والتحريض مادة للانتشار، ومن الإثارة الرخيصة وسيلة لجلب المتابعين، غير عابئين بالكلفة الأخلاقية والاجتماعية والسياسية لهذا الخطاب.

الخطير في الأمر أن هذا التجييش الإعلامي لا يستهدف المنتخبات ولا اللاعبين فقط، بل يستهدف الوعي الجمعي، ويُسقِط الخلافات السياسية بتعقيداتها على كاهل الشعوب، في خلط متعمّد بين الدولة والأمة، وبين القرار السيادي والمشاعر الشعبية.

هذا المسار التصعيدي يتناقض بشكل صارخ مع الموقف الرسمي للمملكة المغربية، الذي عبّر عنه الملك محمد السادس بوضوح وثبات في أكثر من خطاب، حين أكد أن الشعب الجزائري شعب شقيق، وأنه لا يمكن أن يأتيه الشر من المغرب أبدا، داعيا إلى تجاوز منطق القطيعة، ومُكرسا سياسة اليد الممدودة كخيار استراتيجي لا تكتيك عابر.

إن الإصرار على تأجيج العداء بين الشعبين لا يعبّر عن موقف الدولة المغربية، بقدر ما يكشف عن انفلات إعلامي وأخلاقي لدى بعض الأصوات التي تجد في الفتنة سوقا رائجة، وفي التوتر مادة للركوب على الأحداث.

وفي هذا السياق، نبّه الداعية والخطيب المغربي المعروف والمقيم بهولندا، الدكتور رشيد نافع، إلى خطورة تحويل كرة القدم إلى معيار للولاء والبراء، وإلى معبود جديد تُعلّق عليه العواطف، وتُبرّر باسمه الخصومات، بل وتُعطّل لأجله الفرائض والقيم.

وشدد د.نافع في مقطع فيديو على أنه لا يمكننا أن نجمع على الكراهية بسبب كرة منفوخة بالهواء، لأنها أداة لإلهاء الشعوب عن قضاياها الحقيقية. فالعداوة المصطنعة لا تخدم لا المغرب ولا الجزائر، بل تخدم مشاريع التفكيك والتفتيت، وتُعيد إنتاج منطق فرّق تسد بأدوات حديثة.

وفي ذات السياق كتب د.البشير عصام في تدوينة على على الفايسبوك “وقع شيء بين مهاجري وأنصاري، فقال الأنصاري: يا لَلأنصار، وقال المهاجري: يا لَلمهاجرين. فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فقال: ما بال دعوى الجاهلية؟!

سماها الحبيب دعوى الجاهلية مع أنها فخر بلقبين ممدوحين شرعا: الهجرة والنصرة؛ لأن ذلك اقترن بعصبية لغير دين الله، تُشبه عصبية أهل الجاهلية لقبائلهم!

فقارن هذا بحال المتعصبين اليوم لأوطان وقوميات وأعراق لا يتعلق بها في الشريعة مدح أصلا، واحكم على هذه الدعاوى – مهما يكن قائلها – بما تستحقه من الحكم بنص السنة المطهرة”.

طبعا لا يمكن فهم التوتر الحاصل دون استحضار ملف الصحراء المغربية، وزرع كيان البوليساريو كجسم غريب في خاصرة المنطقة، وتحويله إلى ذريعة دائمة لعرقلة أي أفق وحدوي بين المغرب والجزائر. فاستمرار هذا النزاع، ورفض التفاوض الجاد والحلول الواقعية من طرف حكومة قصر المرادية، لا يخدم إلا الجمود، ويحول دون قيام كتلة مغاربية قوية قادرة على فرض حضورها في عالم شديد التنافس.

إن وحدة المغرب الكبير ليست حلما بل ضرورة استراتيجية، وأي خطاب يؤجج الكراهية بين شعوبه إنما يشتغل، بوعي أو بدونه، ضد مصالح المنطقة، وضد مستقبل أجيالها.

وفي الختام فأخطر ما في الفتنة أنها تبدأ ضجيجا وتنتهي دمارا وخرابا. وما لم يُحاصر خطاب الكراهية، ويُسمَّ بأسمائه، ويُفضح من يقف خلفه، فإن الشعوب ستظل ضحية صراعات لا ناقة لها فيها ولا جمل.

المغاربة والجزائريون إخوة وهم بحاجة اليوم إلى وعي جماعي يرفض الانجرار خلف الاستفزاز، ويُعيد الاعتبار للأخوة الإيمانية، ويُميّز بين المنافسة الرياضية والعداوة المصطنعة.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
17°
17°
الإثنين
16°
الثلاثاء
15°
الأربعاء
15°
الخميس

كاريكاتير

حديث الصورة