ما بعد الرؤية الشرعية.. امتحان القلوب لا العيون

10 يناير 2026 23:42

هوية بريس – نجية أم سليمان

بعد الرؤية الشرعية، لا ينتهي اللقاء بانصراف الأجساد، بل يبدأ في الداخل حوارٌ صامت بين العقل والقلب. تُمنَح النفس مهلة لتزن الطمأنينة، وتُنصِت لذلك الخيط الخفي الذي به يُصرَف القبول أو يُرفَع. فالقرار هنا ليس مجرّد «نعم» أو «لا»، بل موقف أخلاقي يُفصح عن حقيقة الإنسان أكثر مما يُفصح عن اختياره.

وإن لم يُكتب القبول، فليس في ذلك خذلان ولا نقص، وإنما هو اختلاف مقادير، وتباين أرزاق، وتصرّف حكيم من الله في القلوب قبل المصائر. غير أن الخطأ كلّ الخطأ أن يُدار الرفض بعينٍ قاسية أو لسانٍ جارح؛ فالكلمة قد تُغلق قلبًا إلى الأبد، وقد تُخلّف أثرًا لا يزول.

ليست الرؤية الشرعية ساحة لتقويم الأجساد ولا ميزانًا لقياس الخِلقة؛ فالله لم يجعل القبول رهين صورة، ولا ربط التوفيق بملامح. ومن ضاق صدره عن الأدب في الرفض، فقد جهل مقام الإنسان، ونسِي أن القلوب حرمات، وأن الله سائله عمّا قال قبل عمّا اختار.

فليكن الرفض ستْرًا لا فضيحة، ورحمة لا تعاليًا، وصمتًا كريمًا لا تفصيلًا مُهينًا. يكفي أن يُقال: «لم يُقدَّر التوافق»؛ فخلف هذه العبارة اتساع يحفظ الكرامة، ويُبقي للنفوس مكانتها.

وكما يُطالَب الرجل بحفظ اللسان، تُطالَب المرأة بحفظ الشعور. فالقوة ليست في القسوة، والوضوح لا يعني الفظاظة، والصدق لا يُسوّغ الجرح. ومن استهان بكسر خاطر إنسان، فقد جهل وزن الكسر عند الله؛

وإن افترقت الطرق، فلا تتحوّل الذكريات القصيرة إلى خصومة طويلة. لم يُكتب لكما الاجتماع، لأن الله صرف القلوب حيث تكون الطمأنينة، لا حيث تُرضي المقارنة. ومن الرقي أن نُغادر التجربة كما دخلناها: بنوايا بيضاء، ودعاء صادق، وصدرٍ لا يحمل غلًّا.

ولا تجعلوا الرؤية الشرعية مادةً للحديث ولا مجالًا للتفاخر؛ فالقلوب التي طُرِقت يومًا بأدب، لا يجوز أن تُعرّى في المجالس.

الرجولة في الستر، والأنوثة في السمو، ومن كشف ما ينبغي ستره ابتُلي بما لا يُحتمل.

ولا تُرهقوا أنفسكم بالسؤال: لماذا لم أُقبَل؟

فالأقدار لا تُفسَّر بالعقول وحدها، وبعض الرفض لطف، وبعض الانصراف نجاة، وبعض الخيبات أبواب رحمة أُغلِقت دون أن نُدرك أنها كانت ستؤذينا.

اقلب الصفحة وأنت شاكر، لا ساخط. متأدّب، لا ناقم. واذكر أن الله إذا لم يجمع بين قلبين، فلأنه أراد لكلٍّ منهما طريقًا أنقى وأصلح.

فما بعد الرؤية الشرعية ليس نهاية حكاية، بل بداية فهم:

أن القبول رزق،

وأن الرفض حكمة،

وأن الأخلاق هي الامتحان الحقيقي،

وأن من خرج من التجربة سليم القلب… فقد ربح، وإن لم يتمّ النصيب.

وأسألُ اللهَ أن يرزقَ النساءَ والرجالَ المسلمين أزواجًا صالحين.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
16°
17°
الإثنين
16°
الثلاثاء
15°
الأربعاء
15°
الخميس

كاريكاتير

حديث الصورة