حب يتجاوز الحدود: الرابط العميق بين الجالية المغربية ووطنها الأم

15 يناير 2026 19:28

حب يتجاوز الحدود: الرابط العميق بين الجالية المغربية ووطنها الأم

هوية بريس – عبد الإله الرضواني

بالأمس، شاهدت مباراة نصف نهائي كأس الأمم الأفريقية 2025 بين المغرب ونيجيريا في احدى قاعات السينما في الدوحة، قطر. كان حوالي 300 مغربي قد تجمعوا، وامتلأت القاعة ببحر من الأعلام الحمراء والخضراء. كان الهواء يرتج بالأناشيد والطبول وأغاني الفخر الوطني. النشيد الوطني قبل بداية اللقاء كانت لحظة مليئة بشعور الحنين الى الوطن. كثير من الحاضرين، وانا واحد منهم، يعيشون خارج المغرب منذ عشرات السنين (30 عاما بالنسبة لي)، والكثير من الشباب الذين حضروا كانوا ممن وُلِدوا في بلاد المهجر، ومع ذلك كانت أصواتهم تتردد وكأنهم في شوارع إحدى المدن المغربية. عندما سجل المغرب آخر ضربة جزاء وأحرز الفوز في النهاية، كانت الفرحة لا توصف: تدفقت الدموع على الوجوه، وتعانق الغرباء كما لو كانوا عائلة، وارتفعت الهتافات بين جدران القاعة. كان لحظة من النشوة الجماعية الحية، دليلًا على الرابط الذي لا ينكسر بين المغاربة ووطنهم، مهما كانت ولادتهم بعيدة عن أرضه.

لاحقًا، شاهدت عدة مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي للاعبي المنتخب المغربي المحاربين، الذين وُلِد الكثير منهم خارج المغرب لكن اختاروا تمثيل وطن أجدادهم. رأيتهم يبكون، غارقين في المشاعر بعد الفوز. جعلني ذلك أتوقف وأتساءل: ما الذي يخلق هذا الرابط القوي، غير القابل للكسر، بين المهاجر المغربي ووطن لم يعشه شخصيًا أحيانًا؟

الجواب يكمن في مزيج من الهوية والثقافة والذاكرة الموروثة. اجتماعيًا، تعمل العائلات المغربية في المهجر كحافظات للثقافة. فهي تحافظ على اللغة والتقاليد والموسيقى والطعام في بيئة غريبة، مكوِّنة شعورًا مشتركًا بالانتماء يتجاوز المسافة الجغرافية. المساجد والمراكز المجتمعية والجمعيات الثقافية في المهجر تعزز هذه الهوية، ليصبح المغرب مركزًا رمزيًا للحياة بالنسبة لأشخاص ربما لم يعيشوا فيه أبدًا. بالنسبة للكثيرين، الوطن أقل مكانًا على الخريطة وأكثر كونًا من القيم والقصص والمشاعر.

نفسيًا، يتعزز هذا الحب من خلال الانتقال بين الأجيال. فالجيل الجديد يرث ليس اللغة والعادات فحسب، بل المشاعر والسرديات والفخر أيضًا. قصص نضال الأجداد وآمالهم وتضحياتهم تتكرر في المنزل وفي اللقاءات المجتمعية، مما يغرس شعورًا بالواجب والانتماء. تشير الدراسات النفسية والاجتماعية إلى أن التعرض المتكرر للسرديات الثقافية، من خلال القصص، الأغاني، الطقوس، وحتى الطعام، يشكّل روابط عاطفية قوية، مكوّنًا تعلقًا عميقًا حتى دون تجربة شخصية مباشرة للوطن.

كرة القدم، ربما أكثر من أي مجال آخر، تكشف هذا الرابط في أنقى صوره. كثير من اللاعبين الذين وُلِدوا في بلجيكا، فرنسا، ألمانيا، هولندا أو إسبانيا كان لديهم خيار تمثيل بلاد ميلادهم، لكنهم اختاروا المغرب. قرارهم ليس مجرد مهني؛ بل هو رمز. إنه يعكس الولاء والفخر والارتباط العميق بالجذور. عندما يبكي هؤلاء اللاعبون بعد الفوز، فهم لا يحتفلون بهدف فقط، بل يعبرون عن حب داخلي عميق للوطن، حب ينبع من قصص أسرهم وثقافتهم وهويتهم.

تظهر هذه الظاهرة أن حب الوطن يمكن أن يكون غير مشروط. إنه يصمد رغم المسافة، الزمن، والتحديات. يُغذى من خلال الطقوس والمجتمع والذاكرة، ليشكل هوية راسخة تربط الأجيال بالمغرب. بالنسبة للجالية المغربية عبر العالم، يعيش الوطن في القلب قبل أن يُرى على الخريطة. إنه مصدر فخر، وإرث ثقافي، ومرساة عاطفية تشكّل القرارات والقيم والأحلام.

عند مشاهدة جماهير المغرب واللاعبين معًا، وُلدوا خارج المغرب ومع ذلك مخلصون لوطنهم، ندرك أن الوطن لا يُحدد بمكان الإقامة، بل بمكان الانتماء الروحي. المغرب، بالنسبة لهذه الأجيال، ليس مجرد بلد؛ بل جزء حي يتنفس من هويتهم. وهذا الحب، العميق وغير المشروط، يتجاوز كل الحدود.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
11°
15°
الجمعة
13°
السبت
13°
أحد
14°
الإثنين

كاريكاتير

حديث الصورة