نظام إيران لن يسقط ولكن؟

16 يناير 2026 07:52

نظام إيران لن يسقط ولكن؟

هوية بريس – بلال التليدي

تتواصل الاحتجاجات في إيران للأسبوع الثالث على التوالي، وتفيد تقارير إعلامية بسقوط 2615 قتيلا وتسجيل حوالي 18 ألف اعتقال.

واشنطن تراهن على هذه التظاهرات لإسقاط النظام الإيراني من الداخل وتتوعد بتوجيه ضربة عسكرية لطهران حتى تنجر المهمة وتحول دون فشل هذه الاحتجاجات، لكنها مع ذلك تضع ضمن حساباتها سيناريو وخروج الحكومة الإيرانية من المأزق، ولذلك لا يوجد وضوح كاف لديها على مستوى التدخل العسكري، لأن حساباتها الإقليمية يمكن أن تتبعثر في حالة دخول المنطقة في حرب تكسير العظام، خاصة بعد تصريحات المسؤولين العسكريين الإيرانيين أنهم لن يترددوا في ضرب مصالح واشنطن في المنطقة.

في خضم هذا التوتر، يطرح سؤال مستقبل الأحداث في إيران، وهل تفضي إلى نهاية النظام، أم أن الواقع سيعيد نفسه وتعرف هذه الاحتجاجات المصير نفسه التي عرفته سنة 2022.

من المهم الإشارة إلى أن الاحتجاجات الحالية مختلفة عن احتجاجات 2022، فالاحتقان الاجتماعي، يجد مستنده في الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها طهران بعد الحرب الإسرائيلية الإيرانية، والتي نتج عنها تزايد نسبة التضخم وارتفاع الأسعار وتذمر المجتمع الإيراني من السياسة الخارجية الإيرانية التي ينظر إليها الكثيرون أنها تعمق عزلة إيران الدولية والإقليمية وتخنقها اقتصاديا وتعرض المجتمع للمعاناة الدائمة، في حين لم يكن الوضع الاقتصادي سنة 2022 بالسوء الذي عليه الآن، ولا بالعزلة التي توجد فيها إيران.

تشترك الاحتجاجات السابقة والحالية في وحدة الشعار (إسقاط النظام السياسي) وبشكل خاص رمزيته الدينية، لكن الفرق أن يكون منطلق هذا الشعار هو رد فعل مجتمعي مطالب بحق مهسا أميني التي قتلتها شرطة الأخلاق في مدينة سقز الإيرانية، وبين أن يكون الباعث عليه وضعية اقتصادية مأزومة واحتقان اجتماعي غير مسبوق بسبب آثار السياسة الإيرانية الخارجية الشرق الأوسطية، والتي يرى كثيرون أنها تنفق مقدرات مالية ضخمة في التسلح ودعم المحاور بدل التخفيف عن معاناة الساكنة.

تشترك هذه الاحتجاجات أيضا في موقف الفاعل الخارجي منها، وبشكل خاص واشنطن وتل أبيب والعواصم الغربية، التي اعتبرت احتجاجات 2022، والاحتجاجات الراهنة فرصة لإسقاط النظام.

لكن مهما يكن الخلاف على مستوى تحديد طبيعة الاحتجاجات ومنطلقها، ومهما تكن المشتركات التي تميزها، فإن هناك حيثيات أخرى تتدخل لصناعة مستقبل الأحداث.

أول هذه الحيثيات وأقواها هو مدى قدرة النظام على تجديد نفسه، وهل لا يزال يمتلك قدرة في التعبئة الداخلية أم فقد كل أوراق الاعتماد، والظاهر أن طهران من خلال إخراج مظاهرات حاشدة موالية للحكومة، أرادت أن تبعث برسالة للخارج بأنها لا تزال تمتلك سندا شعبيا يستطيع أن يمَنعها ويخرجها من هذه الأزمة.

ثاني هذه الحيثيات، هو مخرجات النظام السياسي الإيراني لإقامة فرز داخل بنية الاحتجاج، بين الذين أخرجتهم المعاناة، والذين أخرجتهم الإيديولوجيا المعارضة أو أخرجهم الدعم الخارجي. في السابق، قامت حكومة طهران بإنهاء مؤقت لما يسمى بشرطة الأخلاق، بوصفها السبب وراء حراك 2022 قبل أن تعيد هذه الشرطة سنة 2023، كما قامت بالتخفيف من سياستها بخصوص الحجاب لمزيد من المرونة، لكن من الواضح اليوم من خطاب الرئيس الإيراني، أن العرض الحكومي، يبقى بعيدا عن التطلعات، بحكم الوضعية الاقتصادية التي تسببت فيها الحرب مع إسرائيل.

هل يعني ذلك أن السيناريو سيكون مغايرا بحكم ضعف مخرجات النظام ومحدودية العرض الذي يمكن أن يقدمه؟
بالتأكيد لا، فقد أثبت تطور الحراك العربي ما بين 2010 و2013، أن مزاج الشعوب يتغير بسرعة من المطالبة بالكرامة وتحسين العيش والحرية لمجرد المطالبة بالاستقرار حينما يصير الأمن معدوما، وحينما يسقط ضحايا كثر دون أن تظهر مؤشرات على إمكان إسقاط النظام. والظاهر أن النظام السياسي الإيراني، يفهم هذا المزاج، ويدرك أن لحظة الفرز ستكون حتمية بسبب تزايد الضحايا من القتلى والمصابين، وأن ذلك يمكن أن يصنع فارقا تستعيد به الحكومة الإيرانية زمام المبادرة.

تتعلق الحيثية الثالثة، بحجم الدعم الدولي، وهي بالمناسبة زر مزدوج يمكن للحكومة الإيرانية أن تستعمله، ويمكن أن يكون أيضا في صالح مطلب إسقاط النظام.

تفسير ذلك، أن الحراك الاحتجاجي لم يعد ينظر إلى الضغط الأمريكي والأوروبي على إيران على أساس أنه مصدر للتعبئة الداخلية وخلق الإجماع، فهذا المعطى الذي تم استخدامه منذ الثورة الإيرانية، لم يعد يشكل اليوم خطا أحمر، بل بالعكس، قد يكون عامل ضغط على الحكومة، سواء لإسقاطها أو لمجرد انتزاع إصلاحات اقتصادية واجتماعية. في حين، تنظر طهران إلى ما تبقى من رصيدها العسكري، وحربها الأخيرة مع تل أبيب على أساس أنها نقطة ردع تمنع واشنطن والدول الأوروبية من الاستثمار بأقصى جهد في إسقاط نظام، ولذلك، هدد المسؤولون العسكريون الإيرانيون بضرب تل أبيب ومصالح أمريكا في المنطقة، وإشعال حرب لن تتحملها مصالحهم في المنطقة لأنهم يدركون من تفاصيل وقف الحرب بين طهران وتل أبيب أن هذه الورقة لا تزال قوية.

من الظاهر أن موقف واشنطن متأرجح، فالبيت الأبيض يتطلع أن يحصل إسقاط النظام بجهد داخلي، لكنه يتحدث بلغة فيها كثير من المواربة عن إمكان توجيه ضربات عسكرية لتقويض النظام، لكن، في الوقت الذي يبعث برسائل أخرى تفيد بأن المعارضة الإيرانية بالخارج لا تشكل بديلا ذا مصداقية في الداخل الإيراني، بل هناك حيثيات أخرى متحكمة في القرار الأمريكي، تتعلق بموقف الفاعلين الدوليين والإقليميين في المنطقة، لاسيما روسيا التي ترفض الإطاحة بنظام إيران وتحذر من إشعال حرب تعرض منطقة الشرق الأوسط لتهديد الاستقرار، وأيضا السعودية التي بدا من تحركاتها الأخيرة، أنها جد منزعجة من سقوط نظام إيران، ليس لأنه حليفها، ولكن لأنها تدرك أن ما سيترتب عن ذلك، سيمس بشكل مباشر بأمنها القومي، ولا تريد أن تبقى عارية في المنطقة، ويمكن في هذا السياق أن نفهم اتصال وزير خارجيتها بنظيره الإيراني والعماني والقطري ضمن أجندة بحث تطورات الأوضاع في المنطقة وسبل دعم أمنها واستقرارها.

لغة الصمت التي التجأت إليها تل أبيب، تكشف رغبتها في النأي بنفسها، علما بأنها كانت ولا تزال أول الداعين لإسقاط النظام الإيراني، فهي تدرك بأن العامل الخارجي في إسقاط النظام الإيراني سيكون مكلفا على أمنها وأمن المنطقة ككل، ويمكن أن يربك ما تتصوره مكتسبات حققتها بعد السابع من أكتوبر، ولذلك فهي تتمنى أن يقع ذلك بغير يدها، أو بأياد إيرانية مدعومة خارجيا دون تدخل عسكري مكلف.

لا شيء إلى الآن يدل على أن النظام الإيراني يسقط لا بالاعتبار الداخلي ولا الخارجي، لكن من المهم أن تدرك طهران، أن نجاتها من هذه الأزمة مرتبطة بتغيير جذري لسياستها الخارجية في المنطقة العربية، وأن الوحدة والسيادة هما وسيلة لتقوية التضامن الإقليمي وصناعة الأمن والاستقرار بالمنطقة، وأنه لم يكن أبدا تقويض الدول وإحلال الميليشيات في المنطقة العربية بدلها سبيلا، لتقوية النفوذ ولا لإبعاد التهديد الأمني عنها.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
12°
13°
السبت
13°
أحد
14°
الإثنين
14°
الثلاثاء

كاريكاتير

حديث الصورة