اختلاط المدرجات بالمحراب وضياع المعنى بين التصفيق والتقديس

18 يناير 2026 13:03

اختلاط المدرجات بالمحراب وضياع المعنى بين التصفيق والتقديس

هوية بريس – متابعات

من خلال تدوينة له أعاد الفقيه المغربي د. رشيد بنكيران فتح نقاش قديم/جديد حول حدود استحضار السيرة النبوية في الخطاب العام، وخاصة حين تُستدعى في غير سياقها، أو تُسقَط على وقائع تافهة لا تحتمل ثقلها الرمزي ولا مقامها التشريعي والتربوي.

التدوينة، الموسومة بوسم #قضية_لا_قاضي_لها و#لو_كان_عياض_حاضرا، جاءت بصيغة استدعاء رمزي للقاضي عياض، صاحب كتاب الشفا في حقوق المصطفى، باعتباره أحد أعلام ضبط مفهوم تعظيم الجناب النبوي، لا من زاوية العاطفة المنفلتة، بل من زاوية الميزان العلمي والفقهي الصارم.

انتقد د.بنكيران، بوضوح، ما اعتبره انزلاقا خطيرا في بعض الخطابات الوعظية والإعلامية، حين تُقارن مواقف نبوية مؤسسة، كمحنة الطائف أو مصارعة ركانة، بمشاهد رياضية عابرة كحضور مباريات كرة القدم بوصفه “تزكية للنفس”، أو اعتذار مدرب عن خطأ تقني يُضاهى بدعاء النبي ﷺ في لحظة ابتلاء.

ويرى الفقيه المغربي أن هذا النوع من القياس لا يسيء فقط إلى المنهج، بل يفرّغ السيرة من بعدها الهدائي والتشريعي، وينقلها من مجال بناء المعنى والاقتداء إلى مجال التبرير الوجداني والانفعال الإعلامي السريع.

الخطير، في نظر بنكيران، ليس الخطأ الفردي في التشبيه، بل تحويل السيرة النبوية إلى “مخزون رمزي جاهز” يُستدعى لتلميع أي فعل، أو تضخيم أي لحظة، مهما كانت سطحية. وهو مسلك لو تُرك دون نقد، لانتهى إلى تمييع المقامات، وتسوية ما لا يستوي شرعا ولا عقلا.

ومن هنا جاء الاستدعاء الدالّ للقاضي عياض: لا بوصفه رمزا للصرامة العقابية، بل رمزا لمرحلة كان فيها القضاء والعلم حارسين للمعنى، لا مجرد متفرجين على انحداره.

تدوينة د. رشيد بنكيران لا تقف عند حدود رد على واقعة بعينها، بل تلامس سؤالا أعمق وهو من يملك حق استدعاء السيرة؟ وبأي ميزان؟ وهل كل تقريب هو تبسيط محمود، أم أن بعضه تفريط مقنّع في قدسية المقام؟

في زمن تتسارع فيه الاستعارات، وتُختزل فيه الرموز الكبرى في منشورات عابرة، تأتي هذه التدوينة كتذكير حادّ بأن تعظيم النبي ﷺ ليس في كثرة الذكر ولا في سهولة التشبيه، بل في صيانة المقام، وضبط المعنى، واحترام الفارق بين ما هو تأسيسي وما هو عابر.

وختاما، حين يقول د.بنكيران: “فأينك يا عياض، فالقضاء ينتظرك”، فهو لا يحنّ إلى قاض غائب بقدر ما يذكّر بغياب الميزان… والميزان، حين يغيب، تختلط المدرّجات بالمحراب، ويضيع المعنى بين التصفيق والتقديس.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
11°
14°
الإثنين
13°
الثلاثاء
16°
الأربعاء
16°
الخميس

كاريكاتير

حديث الصورة