“الخطبة الموحدة” وفضل الأشهر الحرم وشعبان

هوية بريس – متابعة
استغربت كل الاستغراب من الخطبة الأولى في غُرة شهر رجب الحرام حيث لم تُستهل الخطبة ولم تتضمن التعرض ولا حتى التعريض بالأشهر الحُرم، ورجب فردها، أي أنه مستقل عنها، منفصل عنها، والثلاثة البواقي متصل متتابعة، التذكير بأولها قد يُستصحب إلى آخرها، وقد للتوقع لا للتحقيق، ورجب بطبيعة كونه بعيدا عن ما يدعو لتذكره وتفكره، التفكير به أوجب وآكد.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكِّر بهذه المحطات الإيمانية الزاخرة بالعطاءات قبل أو أثناء دخولها، ومن أمثلة ذلك:
“أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خَطَب في حجَّتِه، فقال: إنَّ الزَّمانَ قد استدار كهيئتِه يومَ خَلَق اللهُ السَّمواتِ والأرضَ، السَّنةُ اثنا عَشَرَ شَهرًا، منها أربعةٌ حُرُمٌ، ثلاثٌ متوالياتٌ: ذو القَعْدةِ، وذو الحِجَّةِ، والمحَرَّمُ، ورَجَبُ مُضَرَ الذي بين جُمادى وشَعبانَ“.
ومنها كذلك:
“أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ…“.
ومنها كذلك:
“عَن أُسَامَة بْنَ زَيْدٍ -رَضِي اللهُ عنهما- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنْ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ؟ قَالَ: “ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ، بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ”“.
وغير ذلك من الأمثلة التي تدل على تسديد التبيلغ حقا، تذكير بما يناسب الزمان والمكان، وهكذا كان هدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهدي أصحابه رضي الله عنهم ومن سلك نهجهم، يرحمون الناس ويحبون الخير لهم فلا يُغفلون زمنا من أزمنة الخير والعمل إلا ودلوا وحثوا وأرشدوا ووضحوا وبينوا مطبقين قول الله تعالى: “وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ“.
وقوله تعالى حقا وصدقا:
“من عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ“.
وقوله جل ذكره:
“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ“…
وها نحن الآن نلج أبواب شهر شعبان ونحن في غرته، فمن الغبن والغش أن يُغفل ذكر شعبان، وهو شهر يغفل عنه الناس، أيغفل عنه خيار الناس الخطباء والدعاة!
وكوني خطيبا للجمعة أذكر أن منبر الجمعة منبر ذكر ووعظ، لا منبر تسامٍ وغيظ، “فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ” أقبلوا على الآخرة وأحكامها، “وَذَرُوا الْبَيْعَ” أعرضوا عن الدنيا وأهوائها.
لَقَد أَسمَعتَ لَو نادَيتَ حَيّاً***وَلَكِن لا حَياةَ لِمَن تُنادي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* خطيب محب لوطنه وإخوانه.



