لغة السيادة.. كيف صنع الأمازيغ تاريخ المغرب بالعربية؟

لغة السيادة.. كيف صنع الأمازيغ تاريخ المغرب بالعربية؟
هوية بريس – عبد الإله الرضواني
غالباً ما يُختزل النقاش حول اللغة في المغرب ضمن ثنائيات صدامية ضيقة، تُصوّر اللغة مجرد أداة تواصل تقنية محايدة، أو تضع العربية والأمازيغية في حلبة صراع عرقية مُتَوَهَّمَة. غير أن القراءة التاريخية والسوسيولوجية العميقة تكشف أن اللغات ليست مجرد أصوات للتفاهم، بل هي الحامل الأمين للذاكرة الجماعية التي تشكل وجدان الشعوب وتمنحها المعنى في الوجود.
اللغة أبعد من أداة تواصل: نقد الأطروحات الاختزالية
تخطئ بعض الأطروحات الحديثة حين تحاول تجريد اللغة من حمولتها الوجدانية بدعوى الأصل العرقي. إن القول بأن العربية لا تشكل عنصراً بنيوياً في الهوية المغربية لكون السكان ذوي أصول أمازيغية، هو طرح يتسم بـالجوهرانية (Essentialism) التي تتجاهل صيرورة التاريخ. فالهوية ليست حالة جامدة مرتبطة بالجينات، بل هي تراكم ثقافي ومعرفي. إن اختيار اللغات في لحظات بناء الدول لم يكن تاريخياً قراراً عاطفياً، بل كان استراتيجية سيادية ترتبط بإدارة العلم، وتحقيق الشرعية، وصناعة المعرفة. فالمغاربة، عبر العصور، لم يتبنوا العربية كـبديل عن الأمازيغية، بل كـأفق للانخراط في الكونية المعرفية، مما خلق نموذجاً حضارياً متفرداً يجمع بين الجذور الأمازيغية العميقة والآفاق العربية الإسلامية الفسيحة.
اللغة بوصفها حاملاً للمعنى والذاكرة
تُجمع مقاربات فلسفية ولسانية وسوسيولوجية على أن اللغة لا يمكن اختزالها في وظيفة التواصل التقني، بل تشكّل إطارًا منتجًا للمعنى ومنظّمًا للتجربة الإنسانية. فقد ذهب مارتن هايدغر (Martin Heidegger) إلى أن اللغة هي بيت الكينونة، بمعنى أن الإنسان لا يسكن العالم إلا عبر اللغة التي تتيح له الفهم والتأويل. ويؤكد هانس-غيورغ غادامير (Hans-Georg Gadamer (، في سياق الهرمنيوطيقا (علم تفسير النصوص وفهمها)، أن الفهم ذاته مشروط باللغة التي نحملها. أما لودفيغ فيتغنشتاين (Ludwig Wittgenstein)، فقد ربط حدود العالم بحدود اللغة، معتبرًا أن ما لا يمكن التعبير عنه لغويًا يصعب إدراكه أو إدخاله في مجال الوعي الجماعي.
من جهته يقدّم موريس هالبواكس (Maurice Halbwachs) مفهوم الذاكرة الجماعية بوصفها بناءً اجتماعيًا يُعاد إنتاجه عبر اللغة والرموز والمؤسسات. فاللغة هنا ليست وعاءً محايدًا للذاكرة، بل آلية أساسية لتنظيم الماضي واستحضاره وتأويله. وتكتسب الجماعات، من خلال اللغة، قدرة على تحويل التجربة التاريخية إلى سردية مشتركة تُنقل عبر الأجيال.
ويمكن رصد هذا الدور عمليًا في السياق المغربي. فالفقه المالكي، الذي شكّل الإطار المرجعي للتنظيم الاجتماعي والقانوني لقرون، لم يكن مجرد منظومة أحكام، بل لغة مفاهيمية أنتجت تصورًا خاصًا للعلاقات الاجتماعية، والسلطة، والعدالة. كما أن التصوف المغربي أسهم في تشكيل حساسية روحية جماعية نُقلت عبر لغة عربية مشبعة بالرموز والمعاني.
وتبرز الوظيفة الذاكراتية للغة كذلك في الأدب الشفهي والمكتوب، مثل الشعر الملحون، الذي استُعملت فيه العربية الدارجة لتدوين تجارب اجتماعية وتاريخية، من مقاومة الاستعمار إلى تمجيد القيم الأخلاقية والجماعية. كما يمكن ملاحظة هذا البعد في الوثائق السلطانية والظهائر المخزنية المكتوبة بالعربية، والتي لم تكن مجرد نصوص إدارية، بل أدوات لترسيخ مفهوم الدولة، والبيعة، والشرعية السياسية، والنظام الاجتماعي. انطلاقًا من هذه الأمثلة، يتضح أن اعتبار اللغة مجرد أداة تواصل يفضي إلى إغفال بعدها المعرفي والرمزي. فاللغة، حين تحمل المعرفة المكتوبة والذاكرة المؤرشفة، تتحول إلى عنصر بنيوي في تشكيل الهوية والوعي الجماعي.
مقارنة مع تجربة اللغة اللاتينية
تزداد قوة الطرح أعلاه إذا ما أُدرج في إطار مقارن مع تجارب تاريخية أخرى، لعل أبرزها التجربة الأوروبية مع اللغة اللاتينية. فقد شكّلت اللاتينية، لقرون طويلة، لغة العلم، والفلسفة، واللاهوت، والإدارة في أوروبا، رغم أنها لم تكن اللغة الأم لغالبية الشعوب الأوروبية. ومع ذلك، لم تُنظر إليها كلغة وافدة أو مفروضة، بل كلغة معرفة كونية مكّنت المجتمعات الأوروبية من إنتاج تراث علمي وفكري مشترك، وأسهمت في بناء الذاكرة الحضارية للقارة.
ومع تراجع اللاتينية وصعود اللغات القومية الحديثة لم تُمحَ الذاكرة اللاتينية، بل استمرت بوصفها أساسًا بنيويًا للثقافة الأوروبية، سواء في المصطلحات العلمية أو في النظم القانونية والفكرية. وتُظهر هذه التجربة أن اللغة التي تؤدي وظيفة معرفية مركزية في لحظة تاريخية معينة تترك أثرًا عميقًا ودائمًا في هوية المجتمعات، حتى بعد تراجع استعمالها اليومي.
وبالقياس على هذا النموذج، يمكن فهم دور اللغة العربية في المغرب والعالم الإسلامي بوصفها لغة معرفة كونية في زمنها، اختارتها الدول الناشئة، ومنها الدولة المغربية، للانخراط في فضاء علمي وحضاري واسع. ولم يكن هذا الاختيار نفيًا للتعدد اللغوي، بل تأسيسًا لذاكرة مشتركة مكّنت من بناء الدولة، وتنظيم المعرفة، وصياغة الهوية.
وعليه، فإن المقارنة مع اللاتينية تُبرز أن مركزية العربية في التاريخ المغربي لا تُعد استثناءً، بل تندرج ضمن منطق تاريخي عام يبيّن كيف تؤدي لغات العلم دورًا محوريًا في بناء الهويات الجماعية، دون أن تلغي اللغات المحلية، بل تتفاعل معها ضمن سيرورة تاريخية مركّبة.
العبقرية الأمازيغية في صناعة الدولة-الأمة
عند تأمل التاريخ المغربي، نجد أن التعريب في المغرب لم يكن فعلاً قسرياً وافداً من الخارج بقدر ما كان خياراً سيادياً نبع من الداخل الأمازيغي. فالدولة الإدريسية، رغم رمزية آل البيت، قامت بجهد وقوة قبائل أوربة الأمازيغية التي رأت في الإسلام واللغة العربية وسيلة لتوحيد القبائل المشتتة تحت لواء مشروع سياسي واحد. لكن المحطة الأبرز تكمن في التجربة المرابطية؛ هؤلاء الصنهاجيون اللثام الذين انطلقوا من قلب الصحراء، لم يكونوا عرباً بالمعنى العرقي، لكنهم كانوا عرباً بالمعنى الحضاري. لقد أدرك يوسف بن تاشفين أن بناء دولة قوية يتطلب لغة تمتلك أدوات التدوين والتقنين والتشريع، فكانت العربية هي الرابط الذي وحد شعوباً وأعراقاً مختلفة تحت سيادة مراكش. وتعزز هذا المسار في عهد الموحدين، حيث أصبحت العربية لغة الإنتاج العلمي والفلسفي والكلامي، وتحولت مراكش وفاس إلى مراكز معرفية بارزة في الغرب الإسلامي. واستمر هذا الدور خلال العصور المرينية والسعدية، حيث حافظت الأمازيغية على حضورها الاجتماعي والأنثروبولوجي والشفوي، في حين اضطلعت العربية بوظيفة اللغة الحاملة للمعرفة المكتوبة والمؤسسات.
مغربة العربية.. كيمياء التفاعل اللغوي
إن العربية المغربية هي لغة تَمَغْرَبَتْ عبر قرون من التعايش. يظهر ذلك بوضوح في الدارجة التي ليست مجرد عربية محرفة، بل هي تركيب سوسيولساني فريد، حيث المعجم والبنية التركيبية يعكسان التاثير والتاثر المتبادل بين العربية والامازيغية. لقد أنتج هذا التلاقح تراثاً أدبياً فريداً، مثل الشعر الملحون، الذي استوعب تفاصيل الحياة المغربية، من المقاومة إلى التصوف، بلغة تعبر عن الوجدان الشعبي المشترك. كما أن الفقه المالكي في المغرب صاغ لغة فقهية استوعبت الخصوصيات الأمازيغية عبر مفهوم العرف، مما أنتج إسلاماً مغربياً يتميز بالوسطية والارتباط بالأرض، بعيداً عن الجمود الذي قد يطبع قراءات مشرقية أخرى.
الأمازيغية ورهان مأسسة المعرفة: من الفضاء الشفاهي إلى السيادة الرقمية
اليوم، ومع الترسيم الدستوري للغة الأمازيغية، نجد أنفسنا أمام انعطاف تاريخي حاسم يتجاوز الاعتراف الرمزي إلى التمكين الوظيفي. إن التحدي الوجودي الذي يواجه الأمازيغية في القرن الحادي والعشرين ليس في إثبات أحقيتها التاريخية، بل في قدرتها على اقتحام فضاءات مأسسة المعرفة. فاللغات، في صراعها من أجل البقاء، لا تعتمد على عراقتها بقدر ما تعتمد على حجم الحمولة المعرفية التي تضخها في شريان العصر. إن انتقال الأمازيغية من لسان للتداول الشفوي واليومي في الفضاءات الخاصة، إلى لغة مؤسساتية مكتوبة، يتطلب ثورة في المنهج. إن المعركة الحقيقية اليوم ليست معركة هوية فحسب، بل هي معركة إنتاج. هذه المعركة تحتم على المختصين التركيز على مسارين متوازيين لا غنى عنهما:
الترجمة كفعل تحرر: لا يمكن لأي لغة أن تصبح عالمية دون أن تترجم معارف الآخرين إليها. إن ترجمة أمهات الكتب في مختلف العلوم إلى الأمازيغية هو الذي سيخلق المعجم المفاهيمي الصلب للغة. الترجمة هي التي ستجعل الأمازيغية لغة قادرة على تسمية العالم المعاصر ومفاهيمه المعقدة.
الكتابة والتأليف المتخصص: يجب الخروج من دائرة الكتابة عن الأمازيغية إلى الكتابة بالأمازيغية. إن كتابة بحوث أكاديمية باللسان الأمازيغي هو الاختبار الحقيقي لمأسستها. إن الرهان اليوم هو جعل الأمازيغية لغة صانعة للمعنى في المحافل الأكاديمية والمختبرات العلمية.
يجب على الباحثين استغلال أدوات العصر من رقمنة وذكاء اصطناعي لبناء قاعدة بيانات معرفية أمازيغية ضخمة. فالحفاظ على الأمازيغية لا يكون بالانغلاق العاطفي، بل بجعلها لغة حية تتدفق في الأوراق البحثية والمجلات العلمية والمنصات الرقمية.
ختاما، في ظل العولمة الكاسحة، يصبح التمسك بالتعدد اللغوي المغربي (عربية، أمازيغية، حسانية) ضرورة وجودية وليس مجرد ترف ثقافي. الهوية المغربية هي “موزاييك” لا يمكن نزع قطعة منه دون تشويه اللوحة كاملة. إن تعزيز هذا التكامل لا يتم عبر المظلوميات أو محاولة إلغاء مكون لصالح الآخر، بل من خلال الوعي بأن قوتنا تكمن في هذا التعدد الصامد. العربية تمنحنا الامتداد التاريخي والجغرافي والروحي، والأمازيغية تمنحنا الجدر الأنثربولوجي والارتباط العميق بالأرض والتاريخ القديم. هما معاً يشكلان الاستثناء المغربي الذي يرفض الذوبان في الآخر، ويصر على صياغة حداثته الخاصة بلغات أجداده، مؤكداً أننا أمة لا تخاف من تعدديتها، بل تستمد منها كينونتها واستمرارها.



