صدق المشاعر بلا ألوان

هوية بريس – دة.صفية الودغيري
المشاعر الصّادقة النَّبيلة لا تَحْيا منعَّمَةً بالأمان والسَّلام في وطنٍ مُسْتعْمَر ، ولا تتنفَّس أنفاسَها الحُرَّة وقد أَقْبَرَها الصَّمت والارتجاف خوفًا، والشَّكُّ والارتياب، والكَمَد والأَسى..
ولا تحلِّق عاليًا في الآفاق وحولها النُّسور الجارحة، والشُّهُب الحارقة في فضاءٍ مُلَوَّثٍ إلى حَدِّ الموت والاختناق..
فالمشاعر الصّادقة النَّبيلة تشبه أصحابها وأرواح ومعادن أصحابها، فهي خفيفةٌ لطيفةٌ، رفيقةٌ سَمْحةٌ، كريمةٌ سخيَّةٌ، ووديعةٌ وهادئةٌ وشفيفةٌ تَنْسَلُّ عن أجسادها العَليلة، وعن أثقالها وأحمال دنياها ومتاعبها ومشاقِّها وفتنها، طلبًا للخلاص والانعتاق من
قيود الشَّهوات وأغلال الأجساد ونعيمها الزّائل الفتّان..
وقد تُساقُ للموت ضَجَرًا من بَراثِن الفساد والانحلال، ومن أسقام أرواحها وأمراض قلوبها المعتمة، وفِرارًا من ليالٍ قد غمرتها أوجاعها، وسحقتها أَكُفُّ عذابات استسلامها لواقعٍ لا يتغيَّر بحالٍ من الأحوال..
والمشاعر الصَّادقة النَّبيلة يسطع نورها الوَضّاء بالفُؤاد، فتشرق مصابيح البصيرة مستنيرةً بنورها الوهّاج، ويَهْتَزُّ وجدانها مختالاً بما أدرك خارج عشِّه الخامل، ويهمس للنَّسيم همسات البلابل الصّادحة على غصون عشقه الخالد، ويُلْقي السَّمع لأحاديث سُمّارها وسميرها، فتنساب أناشيدها عذبةً كخرير الوادي تسقي القلب الوارف الظِّلال، بسِقاءٍ يبعثه من جديد وفيه الشِّفاء والتِّرياق والرَّواء .. وتخفق النَّبضات شادِيَةً على عرشِه الشَّامِخ الأمجاد، وتُدَنْدِنُ الحقيقة نَشْوانَةً بما أدركته من مراتب الصِّدق والإخلاص، وتصدر المواقف لتشهد عمّا تخفيه النِّيّات المُبَطَّنة من الأسرار ومن العَجيب والعُجاب..
أمّا المشاعر المزيَّفة والخدّاعة فوحدها المواقف من تكشفها، وما يجري من الأحداث عبر مرِّ الفصول والأيّام والأعوام، فالمواقف وحدها من تكشف المعدن الأصيل من غير الأصيل، والنَّفيس العزيز من المُبْتَذَل والمُشاع والسّاقط والرَّخيص، والمعادن تحمل صفاتها وطبائعها وألوانها وأشكالها، فمنها النّافع الصّالح، ومنها الضّارُّ والفاسد..
والمشاعر المزيَّفة والخدّاعة تُباع وتُشْتَرى ويُتاجَر بها في أسواق النَّخاسة، وما أكثر من يرتادها بين متفرِّجٍ ومتجوِّلٍ يتلذَّذ بما يشاهد، وما يُعْرَض من سلع المشاعر والتَّنافس حولها والتَّكالب عليها بكلِّ حقارةٍ ورُخْصٍ وابتذال، وبين من يبيع ويشتري فيها بلا ضميرٍ وبأبخس الأثمان..
أمّا المشاعر الصّادقة النَّبيلة فهي لا تحتاج إلى أسواق، ولا إلى تُجّار لتسويق سلعها وبضائعها النَّفيسة والعزيزة والغالبة، ولا تحتاج إلى ألوان تزيِّنها، ولا إلى أنوار كي تسطع وتشرق وتتوهَّج، ولا تحتاج إلى أسباب أو مبرِّرات لظهورها بقوَّة واستمرار وجودها ورسوخ قدمها، وخلودها في قلوب أصحابها ومن يقتدون بهم ويحتذون..
أمّا المشاعر المزيَّفة والخدّاعة فعمرها قصير، قد تمنح الإنسان بهجةً وسعادةً مؤقَّتة، إنًّما لا تلبث أن تغيب وترحل إلى منفاها السَّحيق والمجهول، بلا وطنٍ يحتويها وبلا شعبٍ وفيٍّ يرفع أعلامها والرّايات..
بل لا تظهر إلاّ في العتمة والظِّل، كسائر الأشياء الَّتي تولد وتموت في الظَّلام..
..
فلا حياة لقلوبٍ صَدَّها الكره والبغض وأظلمت بالأحقاد والسَّواد، فحُرِمَت نعيم الصَّفاء والمحبَّة والوداد، والطُّمأنينة والأمن والسَّلام..
ولا حياة لعقولٍ صَدَّها الجهل والأُمِّيَّة الثَّقافِيَّة عن إنجاب الأفكار الرّائدة والولاّدة للأفكار تلو الأفكار، حتّى ظلَّت في خمولها وعجزها وسُكْرِها، وعبثِها وفراغها وشقائها تتمرَّغ فيه باللَّيل والنَّهار، ولا تقوم لها قائمة تغييرٍ أو إصلاح..
ولا حياة لأقلامٍ خرساء تكتب بلا معنى ولا قيمة، ولا رسالةٍ نبيلةٍ تبعث وجودها من تحت رفاث الجمود على القديم وما لا يوافق الواقع وقضايا النّاس والمجتمع وهذا العصر وأبناءه..
..
وأنتِ أيَّتها الرّوح الثَّكْلى الَّتي تحملينَ على جناحك المهيض قَطْر نزفك وقُطارك الجارح، وحداد أوجاعك وأشواقك المنسِيًّة على أرصفة العابرين والماضين والخاملين، وتحملين ألف ألمٍ وأملٍ يمخضان بداخلك طويلاً، ثمَّ يرحلان خارج حدود زمانك ومحيط مكانك، لتقاسي وجع الولادة الأكبر في امتحانٍ عسيرٍ يوقظ في بواطنك ألف شعورٍ بالظُّلم، يتكَرَّر ويتقرَّر كما المشاهد والمواقف والصُّوَر.
أقول لك…
ستظلّين ذات وهجٍ بَرّاقٍ، ونبضٍ صادِحٍ وخافِقٍ في الآفاق بألف شعورٍ وفكرةٍ تتمِّم بناءك وصرحك الشّامخ..
فما أجملها تلك المشاعر الصّادقة النَّبيلة حين تخفق من قلبٍ نقِيٍّ طاهِرٍ من الأمراض..
وما أجملها تلك الأفكار الَّتي تصدر من عقلٍ رشيدٍ ولُبٍّ سَديدٍ، وحكمةٍ بالِغَةٍ وعقلٍ سليمٍ، ويتمِّم ذاكَ بحُسْنِ منطِقٍ وفصاحةٍ وبيان..
وما أجمل الصِّدق والإخلاص إذا كان موطنهما القلب النَّقِيُّ الطّاهر التَّقي، فيحمل الجوارح كلَّها ويسخِّرها في سلوك طريق الاستقامة والصَّلاح، والهداية والرَّشاد، ويسلخ عن الوجوه جلد زيفها الخدّاع، لتعود عودًا حميدًا إلى فطرتها وطبيعتها الأولى، وخلقتها على أحسن تقويمٍ بلا زيفٍ ولا ألوان..



