بين “الصحافة الرسالية” والقتل الرمزي: “التمغربيت” الأصيلة في مواجهة التغول الاستبدادي

28 يناير 2026 21:56

بين “الصحافة الرسالية” والقتل الرمزي: “التمغربيت” الأصيلة في مواجهة التغول الاستبدادي

هوية بريس – الخامس غفير

تعلمنا من دروس الواقع والممارسة الميدانية أن الصحافة الجادة والمسؤولة لا تكمن في مجرد نقل الخبر ونشره، متوسلة في ذلك وسائط متنوعة ومختلفة، سواء كانت مكتوبة أو مسموعة أو مرئية؛ بل تتجاوز حدود نعتها بمجرد “مهنة” يتقاضى عنها الصحافي أجراً أو “حوالة شهرية” من هذه الجهة أو تلك. إن الصحافة بالمعنى الكانطي (Kantienne)هي “واجب أخلاقي”، وممارسة صادقة، والتزام بشرف الكلمة، ونصرة للمظلوم، وتحلٍ بالموضوعية وضمانٍ لحقوق الإنسان. وحسب المفكر الفرنسي ألكسيس دو توكفيل (Alexis de Tocqueville)، فإن الصحافة هي الضامن للحقوق من أي انتهاك، والمراقب لكل تجاوز تقترفه الدولة؛ والقصد من ذلك هو ترسيخ أسس الديمقراطية، والنهوض بالمجتمع نحو بناء ديمقراطية ترفض “مركزية الدولة” وتنبذ سلطة “استبداد الأغلبية”، مؤكداً أن الحل لا يكمن إلا في الصحافة الجادة التي تحمي الأقلية من طغيان الكثرة.

لا أريد الاسترسال في الحديث عن الصحافة بين النظرية والممارسة، ولا التطرق بالتفصيل إلى أخلاقيات المهنة وأطرها القانونية، لكنني سأكتفي من هذه المقدمة النظرية بتوضيح أمرين أساسيين:

أولاً: مكانة الصحافة والغاية من وجودها داخل أي مجتمع؛ فهي ليست مجرد تسابق على “سبق إخباري”، بل هي قبل كل شيء فعل أخلاقي محكوم بقيم مهنية وتعاقد مقدس، يقوم على احترام القارئ والدفاع عن حقه في تلقي الخبر والتعليق عليه بكل حرية ومسؤولية.

ثانياً: ما تعيشه بعض الوجوه الإعلامية اليوم من بؤس أخلاقي، وما باتت تمارسه من “جرائم رمزية” في حق بعض الأصوات الحرة التي تنتقد بأدب وتمارس حقها في المعارضة السياسية والحقوقية ضد ممارسات شاذة داخل النسيج المجتمعي. إن خروج بعض “الشخصيات الإعلامية” المنتمية لمؤسسات رسمية بغرض التشهير، وامتشاق سيف “القتل الرمزي” لرموز وطنية كان الأجدى الاحتفاء بها -أمثال علي أنوزلا، وبوعشرين، والراضي، والريسوني، ومكونات هيئة “همم”، والجبهة المغربية- هو سقوط مدوٍ؛ ومن هؤلاء الأستاذ حسن بناجح، الذي يُنظر إليه كرجل المبادرات الذي يشتغل بشكل متواصل على لمّ مختلف الحساسيات والفعاليات تحت مظلة واحدة تجمع ولا تفرق، وتستوعب ولا تشتت. وقد شاهد العالم كله حركته الميدانية، وكيف كان يتنقل من مدينة لأخرى لاستقبال المفرج عنهم من السجون والاطمئنان على صحتهم وعوائلهم.

للأسف الشديد، ورغم جهود هذا الفاعل الحقوقي والسياسي من أجل رفع منسوب الوعي والمساهمة في بناء مجتمع يسع الجميع، فإذا به يُقابل بالتشويه ونكران الجميل، وتعمل “الآلة المخزنية” على قتل رمزيته. نعم، ما يزال بناجح يتعرض لحملة شرسة من خدام القهر وأعداء حرية التعبير، عبر مصادرة حقه في الرأي ومنعه من الفضاءات العمومية.

إن ما يتعرض له حسن بناجح من استهداف ممنهج منذ سنوات -ولعل سُعار الحاقدين قد ارتفع منسوبه خلال السنتين الأخيرتين- إنما هو لكون الرجل يمثل نموذجاً لـ “المناضل العضوي” الذي لا يساوم على مبادئه وقيمه التي تربى عليها في مشتل رجال العدل والكرامة، والدفاع عن الحقوق الإنسانية ومستقبل الوطن وتاريخه المجيد. لم يكن استهداف مناضل من طينته اختياراً عبثياً، بل هو استهداف لشعلة مضيئة في تاريخ الحركة الحقوقية بالمغرب في القرن الحادي والعشرين. وما يثير الاستغراب حقاً هو خرجة “الصحافي” الذي توسل بالذكاء الاصطناعي من أجل صناعة شهادة زور وفبركة صورة، في محاولة بائسة لإسكات هذا الصوت المبدئي، وتقديم عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لقمة سائغة للحاقدين وفريسة سهلة للمؤسسات المخزنية؛ بغرض طي ملفٍ أرقَّ أعداء الاستبداد في هذا البلد الذي يتعرض لأبشع صور مسح الذاكرة، بغية التمكين للاستبداد وإطالة أمدِه.

ومن سفاسف ما أقدم عليه هذا الصحافي -الذي يُفترض فيه التحلي بالمهنية والنزاهة، وهو الذي يُعول عليه في تقديم دروس في الأمانة العلمية- أنه سقط في اختبار شرف المهنة التي يتقاضى أجرها من جيوب المواطنين والمال العام؛ حيث لم يتردد في ترويج الكذب والبهتان على الأستاذ حسن الذي نعرف معدنه ومواقفه الميدانية التي رفعت سقف الحرية، وساهمت في تشبيك العمل الحقوقي وتقوية المشترك الإنساني على قاعدة “الحقوق أولاً”، ومبدأ “الاختلاف لا يفسد للود قضية”، والانتصار لـ “التمغربيت” الأصيلة القائمة على التضامن والتغافل عن المختلف فيه؛ وبتعبير بناجح: “لا لتحوير النقاش”، وتوجيه البوصلة إلى أصل الداء المتمثل في سوء التدبير والفساد والاستبداد، والفشل البنيوي للقطاعات الحيوية.

أمام هذا التدني الأخلاقي والردة الحقوقية، يجب على جميع الحقوقيين التعامل مع هذه الرسالة التي لم تعد مشفرة؛ فهي لا تمثل بناجح وحده، بل هي موجهة لكل من يحمل مشروعاً حقوقياً في المغرب. وحتى لا نستنسخ تجارب الفشل، وألا نعيد ما وقع خلال تجربة “الربيع العربي” حين بدأ “المفترس” بتقسيم نسيج الحركة النضالية ليستفرد بالخصوم واحداً تلو الآخر، وتشييد محاكمات صورية بناءً على تقارير كيدية لخدمة أجندات دولية وتكتيكات تهدف لتجريف الساحة من كل صوت رافض للتغول الإمبريالي والفساد؛ لذلك لابد من فتح نقاش جاد للبحث عن سبل مواجهة هذا التغول المدمر لكل نَفَس حقوقي ينتصر لمنطق تحرير المشهد السياسي والفعل الميداني من قيود “المخزن” وآليات اشتغاله التي تسيء إلى عدالة مطالب “السلطة الرابعة” وتعيق دورها الرقابي المستقل.

صفوة القول؛ إن ما يعيشه الأستاذ حسن بناجح من استهدافات مقصودة، وآخرها خرجة صحافي القناة الأولى الذي تعمد نشر صورة مفبركة موظفاً تقنية الذكاء الاصطناعي، هو لعمري سقطة مدوية ومحاولة شريرة غرضها القتل المعنوي لرمز من الرموز الحقوقية المضيئة في سماء العتمة. إن من يعمل على “إسكات الأصوات المزعجة” يسعى إلى اغتيال الحقيقة وتعطيل تطور الوطن، والمعركة اليوم ليست معركة شخص بعينه، بل هي دفاع عن منابع الفعل الحقوقي المشترك ضد سلطة الوصاية على العقل المغربي. ونؤكد ختاماً أن الصحافة فعل إنساني وواجب أخلاقي، وليست أداة للتشهير والاسترزاق على حساب كرامة الناس وأعراضهم.

 

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
19°

كاريكاتير

حديث الصورة