خطاب الآيات يعبر من ظاهر السمع إلى عمق الوعي

هوية بريس – نجية أم سليمان
تأتي الآيات خطابًا يعبر من ظاهر السمع إلى عمق الوعي:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، نداءٌ لا يكتفي باستحضار الإيمان، بل يستنطقه ويختبر صدقه. فليس كل من آمن يسمع هذا النداء على حقيقته، وإنما يسمعه من جعل الإيمان ميزان اختياره، وبوصلة حركته في الحياة.
ثم يأتي السؤال: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾، بصيغة المعلّم الرحيم، لا الآمر الجازم؛ ليقرر أن طريق النجاة لا يُسلك قسرًا، بل يُبصر بالبصيرة. فالإنسان مدعوّ إلى الله دعوة وعي،
ليخطو وهو مدرك لما يعطيه، وما يرجوه.
“عَلَىٰ تِجَارَةٍ“..
وتُسمّى الطاعة تجارة؛ لأن الإنسان مفطور على الحساب، غير أن القرآن يسمو بهذا الحساب من ضيق العاجل إلى سعة الآجل، ومن منطق الربح المحدود إلى أفق النجاة المطلقة. فالتجارة هنا ليست زيادة مال، بل إنقاذ مصير:
﴿تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾،
وكأن النجاة هي رأس المال الحقيقي، وكل ما سواها قابل للتعويض.ثم يُفصَّل مضمون:
إيمانٌ بالله ورسوله يرسخ في القلب، وجهادٌ بالمال والنفس يصدّقه في الواقع. فالمال عنوان التعلّق،
وهنا يتجلّى عمق التدبّر: فالله غنيّ عن بذلنا، ولكننا نحن المحتاجون إلى هذا البذل؛ ليُصفّى الإيمان من شوائب الادّعاء، ويترقى من قولٍ إلى حال.
ويأتي الحكم الختامي بلهجة العارف بحقائق الأمور:
﴿ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛
علمٌ لا يُقاس بتراكم المعرفة، بل بانكشاف الحقيقة: أن الخير ما قاد إلى الله، وأن الخسارة كل الخسارة أن يربح الإنسان الدنيا، ويخسر النجاة.
هكذا تكشف الآيات، في هدوءٍ عميق، أن الإيمان صفقة وعي، وأن الفوز الحق لا يُقاس بما نملك، بل بما نُقدّم، ولا بما نحيا به، بل بما ننجو به عند الله.



