نقد أطروحة شحرور عن الإسلام ومصادره (2/2)

نقد أطروحة شحرور عن الإسلام ومصادره (2/2)
هوية بريس – أحمد الشقيري الديني
سنعتمد في هذا النقد أهم محاضرة للدكتور محمد شحرور التي قدم من خلالها عصارة ما توصل إليه من خلال بحثه في النص الديني والسيرورة التاريخية للإسلام؛ وهي محاضرة من نصف ساعة إلقاء، ونصف ساعة للأسئلة، ألقاها بجامعة السوربون بباريس سنة 2018 قبل وفاته بسنة واحدة، وذلك ضمن فعاليات كرسي معهد العالم العربي بالتعاون مع جامعة السوربون باريس1؛ فنحن إذن إزاء آخر ما مات عليه الرجل، وقد لقي ربه وأتاه اليقين، فلن نتعمد الكذب عليه، بل سنطلع القارئ على أفكار شحرور من كلامه هو مع الإشارة للدقيقة في الشريط الذي لازال متداولا على موقع اليوتوب تحت عنوان:
“أخطر ما قاله د.محمد شحرور؛ محاضرة جامعة السربون”
يفتتح الدكتور شحرور محاضرته بالإشارة لرد فعل خطباء المساجد عقب هزيمة العرب أمام إسرائيل سنة 1967 حيث أرجعوا سببها لعدم التزام النساء بالحجاب، بينما أرجعها بعض الماركسيين لصيام المسلمين شهر رمضان على حد قوله؛ ثم يعلق الدكتور شحرور على هذا الواقع بأنه لفت نظره إلى أن هناك مشكلة في الثقافة الإسلامية وأزمة في العقل العربي؛ وبما أنها مجتمعات تشكلت ثقافتها من الدين فقد كان لزاما على كل من يريد فهم سر تفوقها أو انحطاطها أن يعود لهذا النص مع مختلف قراءاته الفقهية التي تبلورت في تاريخ المسلمين.
فماذا وجد الدكتور شحرور لما عاد لدراسة كتاب الله كما يقول؟!
أولا : اكتشف أن هناك خللا في قراءتنا للقرآن الذي حصرناه في فهم السلف، فقرأناه بأعينهم منذ 1000عام!
ثم يضع له هو منهجا جديدا في التعامل مع القرآن بتبني نظرية “نفي الترادف” في اللغة العربية، فيصرح أننا إذا أسقطنا الترادف من اللغة يسقط الفقه الإسلامي كله (د:05:3 إلى د30:3)؛ هكذا بجرة قلم يجهز المحاضر على الفقه الإسلامي الذي تشكل عبر قرون بمساهمات مختلف المدارس السنية والشيعية والإباضية وغيرها.
وبناء على ما سبق يقول شحرور :(تبين لي أن الكتاب ليس هو القرآن، إنما هذا الأخير جزء من الكتاب، وليس الكتاب كله! وتبين لي أن الفرقان آيتين فقط “الوصايا العشر” بينما الذكر هو الصيغة الصوتية للقرآن)!
السؤال المشروع هنا: كيف لو طبق شحرور فهمه لمبدأ “عدم وجود ترادف في اللغة” على أسماء الله في القرآن وصفاته؟! هل سيقدم لنا تعدد الآلهة؟! لأنه فهم “عدم الترادف” باستقلال الذوات المعبر عنها بكل لفظ مختلف، وليس بحمل اللفظ على معاني وصفات متعددة لذات مشتركة..وهنا أصل الخلل الذي سيقود شحرور لنتائج مخالفة تماما لما دأب عليه المسلمون منذ 14 قرنا.
فلو طبقنا هذا الفهم السقيم لمبدأ عدم الترادف على ألفاظ مثل : النار وجهنم والجحيم وسقر والحطمة؛ فهي إذن ليست أوصافا لدار يخلد فيها الكفار، بل كل لفظ له معنى مستقل بالذات وليس بالصفة فحسب، وكذلك ألفاظ الآخرة والقيامة ويوم الحساب والحاقة والقارعة والصاخة والطامة ويوم البعث ويوم الخروج والغاشية والواقعة ليست أوصافا متعددة ليوم يلقى فيه الناس ربهم فيحاسبهم، بل كل لفظ له معنى مستقل بذاته؛ هكذا فهم شحرور مبدأ عدم الترادف في اللغة، وهو ما لم يقل به أحد من أساطين اللغة العربية!
ثم ماذا؟!
ثم يقول شحرور (30:04) (أتحدى أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم شرح 20 آية من المصحف لأنه لو فعل ذلك لتوقف التاريخ).
وبناء على هذه المقدمة الفاسدة يجزم شحرور أن لا أحد يحق له التحريم (د.05:06) بعد القرآن.
والسؤال الذي يرد هنا: من أين جاء حكم تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية والكلاب والقطط وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير؟!
الجواب على السؤال نجده في السنة النبوية الصحيحة، فما حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرمه الله عزوجل الذي أمرنا بطاعته (من يطع الرسول فقد أطاع الله).
بعد هذا سيذهب بنا المحاضر إلى نتائج أخطر، إذ يعتبر الإسلام كما وصلنا اليوم تمت صياغته في العصر العباسي حيث بلغت الدولة أوج قوتها وبرزت المذاهب الفقهية مع نبوغ الأئمة الكبار في الفقه والحديث (د.21:14 وما بعدها) وتزامن هذا النبوغ مع الفتوحات الإسلامية الكبرى حيث الانفتاح على ثقافات شعوب أخرى مع ما تحمله من معتقدات وتصورات وفلسفات، فكان للمسيحية أثرها العميق على العقل المسلم وطرحت إشكالية مفادها، حسب شحرور، تحدي تلك الشعوب للمسلمين بأن المسيح عيسى عليه السلام تحدث بصفته إلها والإنجيل تعبير عن سيرته، فأين نبيكم معشر المسلمين من هذا المقام؟!
هذا التحدي، بزعم شحرور، دفع المسلمين للقول بأن النبي محمدا صلى الله عليه وسلم كلامه ايضاً وحي من الله(د.55:16)، وأول من قال بأن هناك وحيا ثانيا باسم السنة هو الإمام الشافعي(ت. 204هـ).
يؤكد الدكتور شحرور أن الإسلام الذي وصلنا تمت صياغته في أواخر القرن الثامن وبداية القرن التاسع الميلادي مع أوج قوة الدولة العباسية (د.15:17)!! وهكذا سيصبح الدين هو الكتاب والسنة والإجماع..!
هنا سيصبح مركز الإسلام هو النبي صلى الله عليه وسلم بزعم شحرور، وليس المصحف، ونشأ ذلك تقليدا للمسيحية التي يعتبر فيها المسيح عليه السلام مركز الديانة المسيحية (د.28) ؛ وكما أن للمسيح حواريين فللنبي محمد صلى الله عليه وسلم صحابة بالمئات وكلامهم كله صحيح لأنهم عدول!
وهكذا انتقل نمط الحياة الذي كان عليه المسلمون في القرن السابع الميلادي ليصير هو الدين والثقافة إلى يومنا هذا، فتجمدت الحياة، وكل الفقه الذي تبلور في ضبط أحكام الزواج و الطلاق والمحرمات من المطعومات والفنون وغيرها لا علاقة له بالمصحف..!(د.25:19).
ثم يقدم شحرور نفسه المنقذ الذي اجتهد في إرجاع مركز الإسلام للمصحف (د.52:19).
وأول ما ينسفه الدكتور شحرور بناء على نظره في الكتاب هو هذه الأركان الخمسة التي بني عليها الإسلام، ويعبر عن ذلك بأنها أكبر خدعة إلى يومنا هذا (د.08:20 إلى 31:20) والسبب بحسب شحرور أن تعريف الإسلام لم يؤخذ من المصحف، فإسلام القرآن غير الإسلام الفقهي المبني على السنة على حد تعبيره!!
إنكار شحرور لأركان الإسلام سببه الحقيقي حرجه أمام السؤال التقليدي والمفحم للقرآنيين منكري السنة عن هذه الأركان أين يجدون أحكامها وهيئاتها في القرآن إذا أسقطوا السنة، فما كان من شحرور إلا أن جعل أركان الإسلام بدعة عباسية نسبة للدولة العباسية!
برجوعه للقرآن يكتشف محمد شحرور أن الإسلام المذكور في قوله تعالى (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) لا علاقة له بهذه الأركان، فلا يعدو أن يكون هو الدين القائم على التوحيد والعمل الصالح (د.21)، وقد حدد معنى العمل الصالح في احترام القيم الإنسانية لأنها تحرم نفس المحرمات الأربع عشرة في القرآن (د.30:06)!
هكذا نلاحظ أن شحرور يقدم إسلاما، يزعم أنه من تدبره للقرآن، لا يعرفه المسلمون على مر العصور، وهكذا سيحشر جميع أهل الديانات التي تحترم القيم الإنسانية المتعارف عليها عالمياً في مسمى المسلمين، فيصرح في (د.45:21) أن ما استنبطه من قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)!
فأين ذكر المسلمين في الآية؟!
يجيب شحرور بقوله: عدم ذكرهم في الآية مغزاه أن المسلمين موجودون داخل هذه الفئات كلها (د.22:05).
وأيضا عدم ذكر الكافرين والمنافقين في الآية السالفة راجع لكون هذه الأصناف موجودة في جميع تلك الأمم، بينما الجامع بين الأمم هي القيم الإنسانية المشتركة، كما أن المحرمات واحدة في جميع الملل (د.10:23).!
وحتى مصطلحات كافر..زنديق وغيرها فقد تم نحتها في العصر العباسي على حد قوله..!هكذا يعبد شحرور الطريق لظهور ما يصطلح عليه اليوم ب”الديانة الإبراهيمية” التي يسوقون لها في الإدارة الأمريكية في سياق اتفاقات أبراهام؛ وهي الديانة التي تمحو الحدود بين الديانات السماوية الثلاث الإسلام والمسيحية واليهودية.
هذا الضلال الذي توصل إليه شحرور سببه تقسيمه الفاسد للقرآن خارج التقسيم المتعارف عليه في القرآن نفسه عند قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ).
فالقرآن قسم منه: آيات محكمات تشكل معظمه وأصله، وقسم منه: متشابهات وهو أقله، ولا يفهم إلا في إطار المحكم.
بينما شحرور ذهب لآية متشابهة، أي تحتمل أكثر من معنى، ولم يردها إلى المحكمات، إلى مثل قوله تعالى (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم)
(لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاتة)
( وقالوا اتخذ الله ولدا)..!
ثم ماذا بعد؟!
لم يقف شحرور عند هذا الحد، بل راح يحرف معنى كلمة التوحيد التي عليها يقوم الدين، وذلك عندما يطبق عليها مبدأ الديالكتيك الماركسي؛ فيقرر أن “مجتمع لا إله إلا الله” هو كل “مجتمع متعدد غير أحادي”! لأن الوحدانية صفة لله وحده لا يجوز أن يشاركه فيها أحد(د.27) !!
فكل مجتمع متعدد متطور مآله في الآخرة السعادة(د.30:27) بينما كل مجتمع أحادي متخلف عذابه في الدنيا الشقاء كما نراه اليوم (د.50:27).
و يقرر ايضاً أن الإسلام علاقة بين العبد وربه وكل إنسان يعبد الله على طريقته الخاصة وحسابه عند الله يوم القيامة (د.15:28).
ولهذا، بحسب زعمه، فالرسول صلى الله عليه وسلم هاجر من مكة التي كانت أحادية إلى المدينة، حيث أنشأ مجتمعا متعددا : يتعايش فيه يهود ومنافقون وتاركو الصلاة والبغايا..! هكذا بتعبيره(د.10)
يختم محاضرته بأن قانون التاريخ قائم على مبدأ التناقض (الذي تقوم عليه النظرية الماركسية): تناقض بين التعددية والأحادية، بين التخلف والتقدم؛ والعرب اليوم معذبون لأنهم أحاديون ضد التعددية!
هكذا قدم شحرور زبدة بحثه في القرآن وتاريخ الإسلام لتتبناه اليوم جهات معادية للإسلام؛ نموذجها البارز : “منصة مجتمع الزنادقة”، التي يديرها رؤوس الإلحاد في الوطن العربي أمثال أدونيس والشرفي وأضرابهم ممن لا يخفي عداءه للدين.
وتبنى تلامذة شحرور، أمثال يوسف أبو عواد والعديرقاوي وعادل عصمت، أطروحته فأفسدوا معاني القرآن بعد إنكارهم السنة النبوية وقواعد الفهم السليم للنص الديني التي بنى صرحها كبار الأئمة باستقراء نصوص الوحي.
والخطير في هذا المشروع التخريبي أن وراءه آلة إعلامية ضخمة تكتسح مواقع التواصل الاجتماعي وتستهدف المعتكفين عليها من جيل الديجيتال، وهم أولادنا جيل المستقبل.
فأين خطة تسديد التبليغ من هذا التحريف؟! وأين المجالس العلمية من هذه الفتنة؟!



