التجرؤ بلا ضوابط: حين تنعت “الصباح” المناخ بـ”التطرف”

02 فبراير 2026 15:35

التجرؤ بلا ضوابط: حين تنعت “الصباح” المناخ بـ”التطرف”

  هوية بريس – عابد عبد المنعم

لم يعد التجرؤ على المقدس لدى بعض المنابر الإعلامية استثناء عارضا أو زلة لغوية معزولة، بل أصبح سلوكا اعتياديا تُبرّره الحداثة الزائفة، وتُسوّغه لغة علموية مشبعة بـ”العْياقة” ومبتورة من سياقها القيمي. والخطر في هذا المسار لا يكمن فقط في مضمون العبارات، بل في تطبيعها، وتحويلها إلى لغة عادية لا تستوقف كاتبها ولا أجهزة المراقبة بالمنبر الذي نشرها.

في هذا السياق يندرج مقال خالد الحري المنشور بجريدة “الصباح” تحت عنوان «تطرف مناخي»!، وهو عنوان لا يمكن عزله عن هذا الانزلاق العام في الخطاب. فالمناخ في شق المعتقد والإيمان، ليس كيانا مستقلا يُوصف أخلاقيا أو قيميا، وإنما هو تجلّ من تجليات سنن الله سبحانه في الكون، خاضع لتقدير رباني محكم، قال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدار﴾. ومن ثم فإن نعت الظواهر الكونية بـ”التطرف” لا يخلو من سوء أدب مع من يصرفها ويقلبها كيف يشاء -سبحانه-، كما أن نزع القدَر من بعده الغيبي، وتحميله توصيفا أخلاقيا مستعارا من معارك البشر وصراعاتهم سلوك ينم في أضعف توصيفاته عن الجهل الكبير بالمبادئ الأولى للدين الإسلامي.

بعد هذا التمهيد، يتضح أن الإشكال في مقال مدير نشر جريدة “الصباح”، المتورط في فضيحة “إش إش” و”Un petit mot” لا يقف عند العنوان وحده، بل يتعداه إلى منطق كامل في التفكير والكتابة. فالكاتب لا يكتفي بوصف الظواهر المناخية بمصطلحات تجلي المناخ على ما هو عليه، بل يُدرجها ضمن معجم “التطرف” و”الغلو” الذي اعتاد المنبر الذي ينتمي إليه توسيعه بلا ضوابط، حتى أضحى يشمل كل شيء؛ التدين والمواقف السياسية والاحتجاج الاجتماعي، وها هو اليوم يطال المناخ وتقدير الله سبحانه وتعالى.

وهذا التوسع الاعتباطي في استعمال مفهوم “التطرف” يكشف أكثر مما يخفي؛ إذ يعكس ذهنية مأزومة ترى العالم عبر ثنائية إقصائية حادة، وتبحث دائما عن “متطرف” جديد لتبرير خطابها، أو لتغذية اقتصاد الخوف وحروب الأزمات. وقد صدقت العرب حين قالت: (كاد المريب يقول خذوني)، فالغارق في التطرف الخطابي لا يرى عِلّته، بل يقذف بها غيره، حتى ولو كان ذلك على حساب المعنى أو القيم أو المقدس.

إن التعامل الجاد مع التحديات المناخية لا يحتاج إلى لغة مشحونة ولا إلى توصيفات أخلاقية منحرفة، بقدر ما يحتاج إلى خطاب معرفي متزن، وإعلام واع بمسؤوليته، يُحسن اختيار ألفاظه، ويضبط مفاهيمه بضوابط العلم وأخلاقيات المهنة، دون انفصال عن المرجعية القيمية والإيمانية.

وحين يختل هذا التوازن، لا يعود الخلل كامنا في الظواهر الطبيعية ذاتها، بل في الخطاب الذي يتناولها، ويُصرّ على تحميلها أوصافا لا تنتمي إلا إلى أصحابها.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
19°

كاريكاتير

حديث الصورة