“الطرق السيارة للماء”.. حلّ تقني كان سيجنّب المغرب الفيضانات

02 فبراير 2026 16:56

هوية بريس- عبد الصمد ايشن

قال المهندس المدني عبد الحفيظ باني إن مشروع “الطريق السيار المائي”، الذي طُرح قبل نحو 15 سنة ولم يُفعَّل بالشكل الكامل، كان من شأنه أن يغيّر جذرياً وضعية المغرب المائية، وأن يشكّل اليوم أحد أهم الحلول البنيوية لتفادي مفارقة الفيضانات في الشمال والعطش في الوسط والجنوب.

وأوضح باني، في منشور تحليلي مبني على معطيات تقنية وهيدرولوجية، أن فكرة المشروع تقوم على ربط الأحواض المائية الغنية بالمياه، خصوصاً حوضي سبو واللوكوس، بالأحواض التي تعاني خصاصاً مزمناً، مثل أبي رقراق وأم الربيع وتانسيفت، عبر شبكة قنوات ضخمة تنقل المياه بشكل استباقي نحو سدود استراتيجية، بدل تركها تضيع في البحر أثناء الفيضانات.

وأشار إلى أن المشروع كان مطروحاً للنقاش سنة 2010، في نفس الفترة التي عُرضت فيها ميزانيات مشاريع كبرى أخرى، من بينها القطار فائق السرعة طنجة–القنيطرة والطريق السيار مراكش–أكادير، مضيفاً أن الدولة اختارت آنذاك إعطاء الأولوية للبنيات التحتية الطرقية والسككية، في سياق لم يكن فيه الجفاف الحاد مطروحاً بقوة كما هو اليوم.

وسجل المهندس أن نتائج تلك الاختيارات تظهر بوضوح في الوضعية الحالية، حيث لا تتجاوز نسبة ملء سد المسيرة، الذي يزود مراكش والحوز ومناطق فلاحية واسعة، حوالي 14 في المائة، في الوقت الذي تشهد فيه مناطق شمالية، مثل القصر الكبير، فيضانات متكررة، ويتم تفريغ كميات مهمة من مياه سد الوحدة في نهر سبو لتصب في البحر.

واعتبر باني أن الربط الاستعجالي الذي أنجز مؤخراً بين حوض سبو وسد سيدي محمد بن عبد الله، والذي أنقذ محور الرباط–الدار البيضاء من أزمة عطش حادة، يؤكد عملياً نجاعة خيار ربط الأحواض المائية، ويعكس ما كان يمكن تحقيقه لو تم إنجاز مشروع “الطريق السيار المائي” في وقته.

ورداً على من قللوا من جدوى المشروع بمقارنات تقنية غير دقيقة، شدد المهندس على ضرورة التمييز بين “الصبيب اللحظي للفيضان” و“قدرة النقل السنوية”، موضحاً أن قناة بصبيب 15 متراً مكعباً في الثانية يمكنها نقل ما يقارب 473 مليون متر مكعب سنوياً، أي حوالي 20 في المائة من سعة سد المسيرة، وهو رقم كافٍ لملء خزانات استراتيجية وتأمين حاجيات جهات كاملة من الماء.

كما فنّد مقولة إن السدود “تمتلئ فقط بأمطار 24 ساعة”، مذكّراً بمبدأ “الرويسيلمون” في الهيدرولوجيا، الذي يبيّن أن المياه تحتاج أياماً لتنتقل من الشعاب والرافدات إلى مجرى النهر ثم إلى حقينة السد، وهو ما يتيح هامشاً زمنياً مهماً لنقل المياه وتدبير الفائض قبل ضياعه.

وأكد باني أن تحويل المياه لا يخدم فقط الشرب والسقي، بل يساهم أيضاً في إنعاش الفرشات المائية التي تعرف استنزافاً خطيراً في مناطق مثل دكالة والحوز وسوس، حيث انتقلت أعماق الآبار، بحسبه، من 15 متراً إلى أكثر من 50 وأحياناً 100 متر، محذراً من أن هذا “المخزون تحت الأرض” هو صمام الأمان الحقيقي في فترات الجفاف الطويلة.

وفي مقارنة مع مشاريع تحلية مياه البحر، اعتبر المهندس أن استغلال المياه العذبة التي تضيع في البحر عبر الطرق السيارة للماء يبقى أقل كلفة على المستوى الطاقي والاقتصادي على المدى الطويل، خاصة بالنسبة للمناطق الداخلية البعيدة عن الساحل.

وختم باني بالتأكيد على أن الحديث عن هذا المشروع ليس “بكاء على الحليب المسكوب”، بل دعوة صريحة لمراجعة الأولويات الوطنية بنظرة استباقية، مشدداً على أن الجفاف ظاهرة دورية في المغرب، وأن الاستثمار في البنية التحتية المائية يظل من أذكى الاستثمارات الاستراتيجية لضمان الأمن المائي والغذائي للأجيال المقبلة.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
19°

كاريكاتير

حديث الصورة