فضائح جزيرة إبستين بين طرح طلال لحلو وهروب عصيد

فضائح جزيرة إبستين بين طرح طلال لحلو وهروب عصيد
هوية بريس – عابد عبد المنعم
فجّرت ملفات جزيرة إبستين زلزالا أخلاقيا عابرا للحدود، لم يكتف بفضح شبكات الاستغلال الجنسي والاتجار بالبشر من طرف النخبة الغربية فحسب، بل كشف هشاشة السردية الغربية التي لطالما قُدِّمت بوصفها نموذجا أخلاقيا كونيا. وفي خضم هذا المشهد، برز تباين حاد بين مقاربة الدكتور طلال لحلو، التي واجهت الحدث من زاوية فكرية وأخلاقية شاملة، وبين موقف الناشط عصيد، الذي اختار التقليل من شأن الفضيحة والهروب كالعادة إلى تبريرات داخلية بدعوى أولوية “الشأن الوطني”! وهذا الذي لم يحدث لما رفع لوحة Je suis charlie من الرباط تضامنا مع الجريدة المتطرفة بفرنسا.

طرح د.طلال لحلو المسألة بوضوح ومصداقية، معتبرا أن ما كُشف ليس حادثا معزولا ولا انحرافا فرديا، بل مآل منطقي لمنظومة ليبرالية إلحادية، تُجرّد الفعل الإنساني من أي معيار أخلاقي. من هذا المنظور، لا يعود الانحلال واستغلال الأطفال والاتجار بالبشر صدمة بل نتيجة متوقعة لمنظومة تُؤله اللذة وتسوق لها بربطات عنق وخطاب حقوقي ناعم. ويذهب لحلو أبعد حين يعيد تعريف الحضارة باعتبارها أخلاقا قبل أن تكون عمرانا أو صناعة صورة، مؤكدا أن العنف الحقيقي يرتدي بدلات أنيقة ويحتكر المؤسسات الغربية المؤثرة، بينما تُستعمل قضايا المرأة والحريات أداة تبرير لا أكثر.
في المقابل، جاء رد عصيد باهتا ومراوغا. لم يناقش جوهر الفضيحة، لا في بعدها السلوكي والحقوقي والفكري، وعلى مستوى تورّط نخب سياسية ومالية أوروبية وأمريكية فرضت، ولا تزال، نموذجها القيمي على العالم. بل غرد خارج السرب مقدما تبريرا مضحكا يُنزِل النقاش إلى مستوى المقاهي “لدينا ما هو أخطر داخليا”، وكأنه كان مشغولا طول هذه المدة بتقديم الدعم وإخراج المواطنين من وسط الأنهار وتوفير الشاحنات والقطارات والسيارات للساكنة التي تم إيواءها دخل الخيام أو نقلها لمدن أخرى.
إن التفاعل مع فضيحة عالمية من حجم فضيحة إبستين لا يعني التنكّر لقضايا الوطن، لأن النقد الفكري والحقوقي والأخلاقي يتّسع لأكثر من ملف واحد. فهذا المنطق المتهاوي لا يصمد أمام الوقائع، ولا أمام وعي المغاربة الذين تفاعلوا مع الحدث دون أن يتخلّوا عن التضامن مع المتضررين من الفيضانات أو غيرها.
الأدهى أن محاولة عصيد التسوية بين ما يقع في علب ليلية أو فيلات محلية وبين شبكة إبستين العابرة للدول تتجاهل الفارق الجوهري، فنحن أمام منظومة نخبوية منظِّرة، ذات نفوذ مالي وسياسي، شاركت فيها شخصيات بارزة ونخب منظرة للإلحاد واللادينية والنظرة المادية عبر العالم، تفرض على غيرها دروسا في الخلاق والقيم والإنسانية.
وكمثال واحد فقط، والأمثلة كثيرة وكثيرة جدا، فمن ضمن الوثائق المتداولة مراسلات لمؤسِّسة شبكة النساء BBB، وهي امرأة أعمال سويدية بارزة تدعى “باربرو إينبوم”، أثبتت تواصلها مع إبستين وتقديمها عرضا بقولها: “لدي 200 شابة خارقة بينهن وزيرة وأميرة” كما أظهرت الوثائق ذاتها أن مدرسة ستوكهولم للاقتصاد تلقّت الملايين من إبستين لتمويل منحة دراسية مخصصة للنساء، ما يؤكد سقوط ادعاء الاستثناء، ويؤكد الطابع البنيوي للفضيحة.
ويزداد المأزق لدى عصيد ومن على شاكلته، حين يُستحضر سجلّ التناقض بين التنظير والممارسة. فحين يهاجم صاحب سمفونية تحرير المرأة وتخليصها من الفكر الذكوري والقيم الدينية ووو، ثم تُلاحقه اتهامات باعتداءات أو تحرش أو عنف معنوي ومادي، وفق ما صرّحت به مليكة مزان في تدوينات وحوارات سابقة، تتكشّف فجوة مؤلمة بين الادعاء والواقع. هنا لا تعود المسألة رأيا فكريا، بل سؤال أخلاق ومصداقية.
وفي الختام؛ فبين طرحٍ واجه الانحراف الفطري والأخلاقي في عمقه، كما فعل طلال لحلو حين سمّى الأشياء بأسمائها وربط الجريمة بسياقها الفكري والمرجعي، وخطاب آثر الهروب إلى تبريرات انتقائية تُفرغ الفضيحة من معناها، كما عند عصيد، يتأكد أن قضية إبستين لم تكن حدثا معزولا ولا مجرد فضيحة جنسية عابرة، لقد كانت مرآة كاشفة لاختبار أخلاقي شامل، لم يسقط فيه الغرب وحده، بل أيضا كل من جعل من خطابه تابعا له، ومجرد صدى لتبريراته. فالإفلاس الحقيقي لا يكمن في وقوع الجريمة، بل في الدفاع عنها بالصمت، أو تطبيعها بالتشتيت، ذلك أن المنظومات لا تُدان فقط بما ترتكبه، بل بما تعجز عن إدانته حين ينكشف.
https://howiyapress.com/%d9%81%d8%b6%d8%a7%d8%a6%d8%ad-%d8%a5%d8%a8%d8%b3%d8%aa%d9%8a%d9%86-%d9%88%d8%a5%d9%81%d9%84%d8%a7%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%b7%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a/



