الحرب العالمية الرابعة.. تكفي شرارة واحدة

21 أبريل 2024 18:50

هوية بريس – د. طارق الحمودي

مدخل

كلنا يشعر بأن العالم في حالة “احتقان“، فلم يعد للعالم من حلول تفاوضية ديبلوماسية، وقد دخل الجميع بطريقة أو أخرى، في “أزمة عالمية“، وسيكون من المعقول جدا أن يستفيق أحدنا على وقع الانفجارات النووية، هنا وهناك، كأن العالم في احتفالات رأس سنته، بل كذلك سيكون، فهذه نهاية سنة جديدة في دورة “الأنظمة العالمية الجديدة“.

الأقصى و"البقرات الحمراء".. المدونة وعدوان "الجهلوت".. قدوات الراب و"المواعدة العمياء" - ملفات وآراء

سياقات الحروب الكبرى

يعد درسا الحرب العالمية الأولى والثانية من الدروس القارة في كتب المناهج التعليمية في العالم، حربان امتدت آثارهما خلف البحار وعبر الوديان والصحارى، ولا تزال آثارهما الدامية  والنفسية مؤثرة كثيرا على كل شيء تقريبا، والخطير في هذا أن يعلم الناظر في تاريخ الحربين أنهما كانتا حتميتين لأسباب، منها الاحتقان السياسي، ثم رغبة “المرابين ” العالميين في حدث عالمي مدر للمال، وليس مثل “الحرب” كما تجده في “أحجار على رقعة الشطرنج“، وسواء كان سيناريو الحرب اختياريا أو ضروريا، فإن بعض الدول المتطلعة إلى الهيمنة الكاملة ترى فيها الكيَّ، أي آخر العلاج، إذا لم تستطع استلحاق دولة نامية ما إلى فلكها، وعدم القدرة على التلاعب في نظامها السياسي بالعمالة أو الاغتيال، ولذلك كانت الولايات المتحدة الأمريكية مضطرة إلى احتلال العراق، والتي أعتبرها “الحرب العالمية الثالثة“، وما ينتظره كثير من حكماء السياسة في العالم، هو الحرب العالمية الرابعة،  وأيا كانت أطرافها، فالعالم في حالة احتقان شديد، ولابد من “تنفيس عالمي“.

عصر الإمبراطوريات والولايات عابرة للقارات

كان أحد الجنرالات الفرنسيين ذكيا حين قال: “إذا أردتم أن تبقوا في المغرب فاخرجوا منه“، وهي جملة صارت مبدءا استراتيجيا عند كثير من الإمبراطوريات الجديدة، فقد وجدت أن هذه الطريقة توفر الجهد والمال، وتقلل الخسائر في المكون البشري لكل حملات الاحتلال والإلحاق، إما بصناعة العملاء، أو بالقرصنة الاقتصادية بالقروض الربوية، والمشاريع المخربة لكل برامج التنمية في الدول النامية، وحكماء السياسة في العالم يعتقدون أن لا بقاء في هذا الاحتقان السياسي الكبير إلا للإمبراطوريات، أو الدول الكبيرة بعدد سكانها ونمو اقتصادها، ولذلك تسعى هذه الإمبراطوريات لإعادة رسم جغرافيتها السياسية بالقوة الخشنة أو الناعمة، وكلها مؤدية إلى الاصطدام، والاصطدام يسبب الشرارة، والعالم “حطب يابس“، فهي النار إذن، أي الحرب.

التحالفات الغادرة

تعد التحالفات من الاستراتيجيات التاريخية التقليدية في سياسات الدول ذات السيادة، فبالتحالفات تضمن هذه الدول مصالحها، وتكف عن نفسها أذى غيرها، وتطور قدراتها، وتغني أسواقها، وهي تحالفات غير دائمة، وغير مطلقة، فهي كالبحر في جزره ومده، وتنقسم هذه التحالفات إلى تحالفات معلنة، وتحالفات سرية غادرة ،تهدف إلى التعمية والتورية، وهي أخطر أنواع التحالفات، فهي تشوش على كل القراءات التحليلية السياسية والاقتصادية والعسكرية، إلا لمن استطاع الاطلاع على أصولها ومقاصدها وآلياتها وأطرافها المتحالفة والمتخالفة، ولعل أقبح أنواع التحالفات الغادرة اليوم، التحالف الأمريكي الإسرائيلي الإيراني، أو كما وصفها بعض الباحثين الجيوسياسيين اللبنانيين، تحالف الصادات الثلاثة، الصليبية والصهيونية والصفوية.

أسواق لبيع الشعوب

تتنافس الدول العظمى والتي تريد أن تكون عظمى على النظر دائما في “مؤشرات” أسواق النخاسة الجديدة، أسواق تعدت بيع الأفراد إلى بيع الشعوب المغلوبة على أمرها، تراها قطعانا من البهائم، حياتها وذبها تابع للمصلحة الجيوسياسية والأمن القومي، وما يحدث في غزة تجاوز منطق المساومات السوقية المعتادة، فهي مساومة على المقاومة.

وفي أفريقيا أسواق مفتوحة للتنافس الصيني الأمريكي التركي الإسرائيلي، وهو أمر يذكرنا بحملات الأوروبيين إلى السواحل الأفريقية الغربية التي تحصل بها على موارد كبيرة من “العبيد السود” الذين تحملهم إلى الأرض المغتصبة في الأمريكيتين، لأجل ضمان “سكر قهوة المساء” على شرفات النبلاء الإنجليز.

غزة اليوم دليل على “التحالفات الغادرة“، وأوكرانيا على الاحتقان السياسي، ومخططو السياسات عاكفون عل خرائطهم رسما ومحوا وتصحيحا، والعيون حديد على مصادر الطاقة والماء والغذاء، حيث وجدت وضعوا رؤوس أقلامهم عليها، تحليقا أو تخطيطا، وتكثر الهمسات داخل أروقة القيادات العامة، ومراكز إدارة الأزمات، وربما الحروب.

إعلام فاجر

يحتاج كل نظام سياسي فاعل في العالم إلى إعلام، يختار شكله وأدواته وأهدافه، وغالبا ما يكون إعلاما فاجرا لأهداف قذرة، ويكون لهذا الإعلام مواصفات السحر الفرعوني، والتخدير العقلي، فهو موجه للرأي العام، مفسد للمزاج والذوق والفطرة، موهم مبهم، كذاب أشر، يقوم بأكبر عملية تنويم مغناطيسية في التاريخ، ومن امتلكه، فكأنما امتلك الناي القائد لفاقدي الاتجاهات، ومن أفضل الأدوات لإعداد الشعوب للدخول في الحروب.

رمي الهويات في الحاويات

يصر النظام العالمي الجديد، الذي تتنازعه الدول المسلحة النافذة سياسيا واقتصاديا، على تطويع الشعوب المستضعفة أو استعبادها وإلا تدميرها، ويكون استهدافها للنظام السياسي أصلا، ثم النظام الاقتصادي والمالي، وغالبا ما يسهل عليها صناعة عملاء في رؤوس الهرم السياسي، وإيقاع الضرر في محركات الاقتصاد الوطني بطرق كثيرة، ولكن يصعب عليها غالبا طمس هويات الشعوب وثقافاتها المحتوية على مادة الممانعة والمقاومة، والحافظة لبذور النهضة والتحرر، الضامنة لمستوى ضروري من الوعي من كل وجه، ولذلك تحتاج هذه الدول المتنفذة أولا إلى إضعاف حالة الانتماء، لإضعاف الممانعة القدرة على المدافعة، حتى تتمكن من وضعها في فلك الدوران حولها، وبالتالي جرها معها عند الدخول في مجرات الحروب.

نظام عالمي ما بعد الجديد

كتب ثعلب السياسة الخارجية الأمريكية هنري كيسنجر “النظام العالمي“، ومثله في الطرف النقيض منه جهة اليسار، نعوم تشومسكي، وهما كتابان يجد القارئ لهما صعوبة في الانتقال من صفحة إلى التي تليها بسبب قوة الموضوع وكثافة المعلومات، ولكنها هي وغيرها مما ألف في الموضوع على نفس النمط أو قريب منه يرغمان القارئ على اعتقاد غريب مقتضاه، إن كل نظام عالمي مهما كان جديدا، فإنه مؤذن بالدخول في نظام جديد آخر، وفي كل مرة، تنقص المسافات، ويتراجع عمر هذا النظام “الجديد“، فبعد سقوط الاتحاد السوفييتي، ودخول العالم إلى عالم جديد عبر البوابة الأمريكية، اكتشف الناظرون وحكماء السياسة أن ذلك كان مقدمة فقط للدخول في نظام “ما بعد جديد“، على طريقة “ما بعد الحداثة” حيث تتلاشى كل المبادئ والقوانين وقواعد الاشتباك التجاري والسياسي، وهي حالة مؤذنة بقرب دخول العالم وأسياد هذا النظام في حرب كبرى، يعاد بها تقسيم مناطق النفوذ، ورسم خطوط الحرير بألوان مختلفة، وبناء تحالفات جديدة، ولعل أهم فائدة من كل هذا، إزالة حالة الاحتقان، والتخلص من القلق السياسي، والانتقال من الانشغال بالآخر إلى الانشغال بالأنا، فمن سيخرج من هذه الحرب”حيا” سيكون أمام تحديات إعادة البناء والإعمار، وهذا مشعر بسيادة الهدوء العالمي، والبدء في دورة حضارية جديدة.

وأخيرا

هل ستكون الحرب نصرانية نصرانية، أو نصرانية وثنية، أو نصرانية إسلامية؟ ليس هناك مؤشر حاسم، ولعل كل ذلك يدخل بعضه في بعض، والراجع إلى القرآن الكريم والسنة النبوية، يجد ما يعين على قراءة كل المؤشرات الممكنة بطريقة احترافية، وسواء كان هذا أو ذاك، بعضه أو جله، فإن العالم لم يعد يتحمل كل هذا الضغط، وكل ضغط قد يولد الانفجار.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M