غلاء الأسعار يهدد الأمن الاجتماعي

06 نوفمبر 2022 09:27

هوية بريس – د.لطيفة شوقي / باحثة بالقانون الدولي والعلوم السياسية 

إن هذا الواقع البئيس الذي أصبحت تعيشه بلداننا اليوم من غلاء للأسعار وارتفاع لتكلفة العيش وموت بطيء للطبقات الفقيرة والمتوسطة لهو في حد ذاته دليل واضح على الفشل الحكومي والسياسي الذي يسير نحو الأسوأ، فالحكومات التي لا تضع صوب أنظارها إلا الأهداف الإقتصادية هي حكومات رأسمالية بامتياز لا تصلح لتمثيل الطبقات الفقيرة  والمتوسطة والتي بمشقة نفس تحاول ضمان حقوقها الطبيعية في الغذاء والصحة والتعليم.

فكل حكومة رشيدة قبل أن تسعى لمنافسة البلدان القوية اقتصاديا، وجب أن تحقق قبل ذلك الأمن الإجتماعي لأفرادها ونقصد بذلك كلا من الغذاء والصحة والتعليم والتي تعتبر حقوقا أساسية وطبيعية نددت بها المواثيق الدولية والتشريعات الوطنية لكل بلد، إن الغلاء المعيشي الذي تعيشه اليوم جل الدول العربية هو نتاج حكومات فشلت في الموازنة بين الأهداف السياسية والأهداف الإقتصادية والإجتماعية، فكانت نتيجة ذلك تركيز الأهمية على الربح  على حساب المصلحة المجتمعية،  وعلى حساب الموارد الطبيعية والبيئية،  وعلى حساب الأمن الإجتماعي واستقرار نظامها الداخلي، فهذه الوضعية حقا تؤجج من التوتر واللاإستقرار وانتشار الجريمة وتزيد من التفاوتات الطبقية ومن إحساس التهميش واللاعدالة لدى الفئات الهشة، فكلما تفاقمت الحالة الإجتماعية وتدهورت كلما كان الأمن الإجتماعي مطلبا غير متحقق، والحقيقة أن الحكومات التي لا تتبع استراتيجيات حكيمة لتحقيق معادلة الأمن الإجتماعي والإقتصادي معا فأكيد أنها ستواجه بالمقابل ولادة عدة تحديات لم تكن في الحسبان أهمها تزايد معدل هجرة الأدمغة والكفاءات، وكذلك هجرة اليد العاملة بحثا عن مستوى معيشي أفضل، وأيضا تعميق الفوارق الإجتماعية وتركز الثروات لدى الطبقات الغنية، وتشجيع الكثير من الظواهر المجتمعية مثل الفقر والتشرد والهدر المدرسي وارتفاع معدل البطالة  ومعدل جرائم النهب والسرقة وتفاقم ظاهرة “التشرميل” التي تعتبر نقطة سوداء ولدتها عدة عوامل اجتماعية وتزداد تجذرا كل يوم ، وكلها تحديات تقود بدورها إلى اضطراب النظام العام وتشتت الوحدة المجتمعية الخ.

إننا نقول أن هذا النهج السياسي المتهور وغير الرشيد لن يقود إلا نمو أو أمن ورخاء ولن يحقق أي تنمية مستدامة ، بل يسير نحو نشأة  كوارث واختلالات مجتمعية متعددة، فالواجب أن تسير الحكومات بخطى ثابتة بعد دراسة الإستراتيجيات الناعمة والصلبة على المدى البعيد ولا تركز اهتمامها بالأهداف الرأسمالية المحضة فقط،  فالأمن الإقتصادي هو عنصر من مكونات الأمن الإنساني الذي لا يتجزأ ويضم بدوره عناصرا أخرى أهمها الأمن الإجتماعي والصحي والبيئي الخ، لذلك وجب الموازنة بين عناصره، والحقيقة أن البلدان التي استطاعت تحقيق هذه المعادلة حققت نتائجا مهمة على مستوى التنمية المستدامة.

إنه لمن المؤكد والواجب على الحكومات التفكير في التحديات التي تواجهها مجتمعاتها اليوم وأهمها التحدي الغذائي والصحي والمائي، فبعدما كنا نصب جل اهتمامها بالأمس بالطاقة والبترول والقوة العسكرية والتطور التكنولوجي الخ، تأكدنا اليوم أننا أهملنا جوانبا مهمة والتي تعتبر ركائزا أساسية للتنمية المستدامة ، واليوم نؤدي  ضريبة عدم دراسة العواقب وموازنتها بالنتائج.

وفي الأخير نؤكد على أن السبيل للسير قدما لتحقيق التنمية المستدامة والأمن الإجتماعي والإنساني بصفة عامة هو اعتماد استراتيجيات مدروسة على المدى البعيد والموازنة بين الأهداف السياسية والاقتصادية والإجتماعية والبيئية باعتبارها أجزاء مكملة لبعضها البعض تحقق نفس الغاية وتكون نفس المنظومة، والإهتمام بالقطاعات التي تعتبر ركائزا للتنمية المستدامة مثل الصحة والتعليم والبيئة الخ.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
8°
17°
الأربعاء
15°
الخميس
17°
الجمعة
20°
السبت

كاريكاتير

كاريكاتير.. ادريس غانا غاي يسدد بضربة قوية

حديث الصورة

128M512M