نقد مزاعم إصلاح مدونة الأسرة عند التيار الحداثي بالمغرب

13 مايو 2024 18:49

هوية بريس –  محمد زريوح

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين خالق البشر، وشارع الدين، العالم بما يصلحهم في دنياهم، وينفعهم في أخراهم، والصلاة والسلام على نبي الله محمد خاتم الأنبياء، والرسل، والشرائع، وعلى آله وصحبه، ومن اتبع هداه إلى يوم يبعثون وبعد،

إن الأسرة في الإسلام هي نظام رباني وليس اختراعا بشريا أفرزته مسيرة البشر كما يزعم الزاعمون، إنما هو نظام له خصائصه، ومميزاته، منها: أنه عطاء من الخالق، وأنه ضرورة بشرية فطرية، وأنه وحدة جامعة تحت مظلة مؤسسة الأسرة. يقول تعالى في كتابه العزيز: “يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء” (النساء: 1).

فقد فتح المغرب في الآونة الأخيرة، ورشا إصلاحيا كبيرا لمدونة الأسرة، نظرا للاختلالات التي عرفتها خلال عقدين من الزمن بعد اعتمادها، أملا في استدراك النقائص، وتجاوز العيوب وترميمها، كل ذلك  من خلال وضمن الإطار العام للإصلاح الذي حدده ملك البلاد، وهو الشريعة الإسلامية، و دستور الأمة المغربية التي تدين بدين الإسلام، وهذا أمر ضروري، ومطلوب ومرحب به عند المغاربة، لكن ظهر تيار إلى العلن خرج يطالب بتعديل المدونة بناء على مرجعية غير المرجعية الإسلامية وهم المحسوبون على الحداثيين الليبراليين العلمانيين، غير ابهين بدين ودستور هذا الوطن؛ لذلك سنقوم بمناقشة الأسس المؤطرة لنظريتهم للإصلاح ونقدها من خلال مستويين:

المستوى الأول:  كشف هشاشة وبطلان ما يدعون إليه، وعدم صلاحيته للمجتمع المغربي المسلم من خلال مقارعة مبرراتهم الواهية بالأدلة المنطقية، والعقلية، والشرعية.

المستوى الثاني: من النقاش يكون بالرد عليهم وبيان عدم صحة ادعاءاتهم من خلال المبادئ والقيم التي يؤمنون بها، ويدافعون عنها، ومن خلال أيضا الأسس التي ينطلقون منها لمهاجمة شريعة رب العالمين، فنكون بذلك قد رددنا بضاعتهم من جهتين : جهة مرجعية الدين، وجهة مرجعية القوانين الوضعية الكونية كما يسمونها.

وأريد في البداية أن ألفت إلى أنني تجنبت الغوص في مناقشة التفاصيل والجزئيات، لأنها ستستغرق مجالا وحيزا كبيرا، وهذا قد سبق من خاض فيه، وإنما أحببت أن أتوجه بالنقد إلى الكليات، والقواعد، والأسس المعتمدة عند القوم، فإذا بان عيبها وظهر زيفها فإن ما يبنى عليها من الأمثلة والجزئيات، سينهدم بالضرورة لا محالة؛ فالفرع يتفرع عن الأصل، فإذا سقط الأصل لم يبق للفرع قوام.

لكن قبل الخوض في استعراض دعاويهم ونقضها، كان من الضروري أن نضع بين يدي القارئ جملة من المنطلقات تمثل مسلمات بديهية باعتبارات، سنذكرها في حينها.

المنطلق الأول: أن الإسلام هو دين الدولة المغربية منذ أن اعتنقته وارتضته وإلى الآن.

المنطلق الثاني: أن المجتمع المغربي مجتمع مسلم، هذا لا يعني أنه لا يوجد بينه من لا  يدين بدين الإسلام، وإنما أتكلم عن الأغلبية العظمى بنسبة تزيد عن 99.99 بالمائة، وهنا أشير إلى أن من مقتضيات الديمقراطية التي يتبنوها أن الأقلية تخضع للأغلبية، هذا آخر ما وصلت إليه ديمقراطيتهم، وليبراليتهم، وحداثتهم؛ فلماذا يريدون أن ينقلبوا على ما يؤمنون به؟!

المنطلق الثالث: أن الدستور المغربي ينص على أن دين الدولة هو الإسلام.

المنطلق الرابع: أن الشرعية الحكمية قائمة على أساس الدين-إمارة المؤمنين-؛ بمعنى أن المغاربة عبر العصور بايعوا ملوكهم على حفظ الدين، وإقامته فيما بينهم، الذي يقتضي منهم حراسة الدين، وسياسة الدنيا به، فعلى هذا الأساس قامت، واستمرت، وستقوم.

المنطلق الخامس: أن المدونة هي نتاج في جزء كبير منها لنصوص شرعية قطعية من القرآن والسنة، وفي الجزء الآخر منها هي نتاج لاجتهادات العلماء الشرعيين والقانونيين والحقوقيين فيما تسمح به النصوص الشرعية الظنية بالاجتهاد، فمن يوجه النقد للمدونة في الجزء الأول خاصة هو في الحقيقة لا ينتقد المدونة، وإنما ينتقد القرآن والسنة، وهذا أمر خطير جدا!!.

لقد تعمدت إيراد هذه المسلمات لتكون أرضية تمهيدية للنقاش والمناظرة مع أصحاب التيار الحداثي ومذكرة لهم بالإطار العام الذي من خلاله سينطلق كل حديثنا وكلامنا، طبعا إن قبلوا بهذه الارضية، وإن لم يقبلوا بها، آنذاك سيكون النقاش معهم مختلفا تبعا للمنطلقات والمسلمات.

الدعوى الأولى أن المرجعيات الكونية تسمو عن المرجعيات الوطنية:

من المداخل التي يريدون أن يجعلوها من المسلمات، وهم يدركون أنهم إذا تمكنوا من تمرير هذه الدعوى فإن باقي الدعوات يسهل تمريرها، لأن هذه الدعوى تمثل في معناها الأساس؛ لذلك يبدؤون بها وبالدفاع عنها، ونحن كذلك سنبدأ بنقضها ونسفها ليسهل نقض ونسف ما ينبني عليها، فنقول :

أولا: كل دول العالم لديهم خصوصية وطنية لا يسمح بتجاوزها، وإلا لما كان معنى لصياغة دساتير وقوانين الدول، فيكتفون بدستور، وقانون المرجعية الكونية، وهذا معروف عند علماء وخبراء القانون.

ثانيا: إذا كانت المرجعية الكونية تسمو على المرجعية الوطنية فينبغي على كل الدول أن تشارك في صياغتها، وهذا ما لم يحصل، ولن يحصل؛ لاستحالته.

ثالثا: لما عرفنا ما سبق ذكره في الأولى والثانية فلماذا الإصرار على سمو مرجعتهم على مرجعتنا، خاصة الدول الإسلامية الضعيفة، لابد وأن هناك أمرا ما مستهدف – وهو الإسلام- فهذا تدليس لصحة الدعوى وتدليس المستهدف-الدين-؛ ولذلك وبناء على ما تم بيانه من خلال الأدلة القاطعة؛ فإن هذه الدعوى تبدو أوهن من بيت العنكبوت على الصمود أمام قوة الحجة، والبرهان، والمنطق.

الدعوى الثانية: أن الفقه الإسلامي والشريعة هي قديمة و ماض أكل عليها الدهر وشرب  ونحن نعيش في زمان متقدم ينبغي أن نجدد ونعيش زماننا بدعوى وحجة الإصلاح…

وأنا هنا أتساءل: هل كل قديم وماض نرميه ونتجاوزه؟، كلا ليس صحيحا؛ فالأصل إذا رميته هذا لا يسمى إصلاحا، وإنما هو هدم، كسواري البيت إذا هدمتها ورميتها فإن البيت سينهدم. أما الإصلاح فيكون في التفاصيل والجزئيات التي تتفرع عن الأصل، نعم هذا إصلاح، ونحن معه وندافع عنه؛ لذلك الدين، والإسلام، وَالشريعة تمثل الأصل الذي ينبغي الحفاظ عليه، فهو بمثابة البيت الذي يأوي إليه المؤمنين، وما عدا ذلك من الاجتهادات، والتأويلات، والتفسيرات، التي تدخل ضمن دائرة الظنيات، فهو يقبل الإصلاح، والتوجيه، والتصحيح؛ أما الأول –الأصل- فهو قطعي لا يدخله التأويل، والاحتمال؛ وهذا معروف مسلم به عند العلماء أصحاب الشأن؛ فالذي يتكلم عن الإصلاح ولا يميز بين ما ينبغي إصلاحه وبين ما لا يجوز إصلاحه فهو كالأعمى الذي يمشي بليل وسط البيض يبحث عن الفاسدة منها فإذا به أفسدها كلها.

الدعوى الثالثة: ان نظام الإرث نظام ظالم تمييزي ذكوري يساهم في تأنيث الفقر.

هذه دعوى صريحة، وخطيرة، ووقحة؛ لأن فيها توجيه اتهام لله سبحانه وتعالى وكأنه عزو جل- وحاشاه- ظلم المرأة لما جعل حظها نصف حظ الرجل-وهي ليست قاعدة مطردة، وإنما لها شروطها وحالاتها- وكأنه لا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير. الرد سيكون عليهم ليس من زاوية تعليل الحكم وبيان الحكمة من ذلك؛ وإنما يكون الرد من زاوية أخرى، وهي أن الذي يقول ويتجرأ على مثل هذا الكلام الذي تهتز معه الجبال هو لا يؤمن أصلا بهذا الدين وبمنزل هذا القرآن؛ لذلك صدر عنه مثل هذا الادعاء الهراء؛ فهو خارج عن الدائرة التي يصلح معه إبراز وبيان التعليلات والتأويلات التي ذكرها العلماء في شأن الإرث، فلو أنه كان من داخل دائرة الإسلام لأمكن الحديث معه بمنطق البيان العلمي المرتبط بهذه القضية، أما وأنه كان من الخارج، فندعوه أولا أن يدخل إلينا، ثم بعد ذلك نناقشه؛ لأنه فاقد للأصل، وللمشترك العقدي الإيماني؛ الذي يستحيل التوصل معه إلى نتيجة تجعله يغير موقفه ورأيه، لأن منطلق هؤلاء فيه من العداء، والكره ما فيه لكل ما يمت بصلة إلى الإسلام، أما لو أنهم كانوا ينطلقون من منطلق الاستفسار والاستفهام لكان ذلك أقرب إلى الإفهام.

إن من يسمع كلام هؤلاء يظن أن الفقر، والظلم، والتمييز الذي يعيشه المجتمع سببه واحد ووحيد، هو نظام الإرث في الإسلام، فلو كان الأمر كذلك لسلمنا وسمحنا لهم بهذا الإصلاح من أجل إنقاذ الناس من براثن الفقر، والظلم… لكن الحقيقة الظاهرة أن الذي سبب للناس في هذا الواقع المرير هم الفاسدون الذي نهبوا الثروات الوطنية – لا هم قسموها بالتساوي-كما يطالبون- ولا بالتفاضل -، وهربوها للخارج الذي نصب نفسه وصيا على المجتمعات الإسلامية يفرض ما يشاء من القوانين ليزيد من مستوى تحكمه ونهبه، فهذه هي الحقيقة، وهذا هو الحق الذي لا يجرؤ هؤلاء -الذين تجرؤوا على شريعة رب العالمين- أن يقولوه للناس؛ وذلك في رأيي راجع لسببن لا ثالث لهما: السبب الأول الخوف، والجبن، والسبب الثاني أنهم مستفيدون من الوضع. فالصراع بين التيار الإسلامي والتيار الحداثي ليس صراعا فقط على تحكيم أحكام الشرع في الأسرة، وإنما يتعداه إلى كونه صراعا سياديا.

فكلامهم  مردود عليهم، لأنه يفتقر لأدنى مقومات معايير الكلام العلمي الدقيق، فهي دعوى فارغة.

إن المال الذي يريدون أن يقسموه بالتساوي، لا يعلمون بأن ذلك المال ليس مالهم؛ وإنما هو مال الله، وهم مستخلفون فقط يتصرفون فيه وفق منطق الشرع، والدين،

قال تعالى: “آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ”. (7)سورة الحديد.

إن خصوصية المال حسب المنطوق الشرعي غائب ومغيب لديهم؛ لذلك لا نستغرب دعوتهم لاقتسام المال بالمساواة، فمرجعتيهم غير مرجعية المجتمع المغربي المسلم، لذلك أقول في هذا السياق أن مال الإنسان في حياته هو ملك له على سبيل التفويض يتصرف فيه كيف شاء وفق الضوابط الشرعية، لكن لما يموت صاحبه فإن المال ينتقل منه إلى واهبه، وهو الخالق سبحانه وتعالى، فليس لأحد أنداك أن يقسم على هواه. فالذي له الحق في تقسيمه هو الله جل جلاله وحده، وقد بين بالتفصيل مقادير وحق كل مستحق للمال. وإلا لما كان معنى لكل ذلك البيان المستفيض لأنصبة الإرث ووجه الاستحقاق وأحكامه..

إن الذي يدعو إلى تجاوز نظام الإرث في الإسلام هو يعترض على قسمة الله تعالى التي اختارها بحكمته لعباده، وأجمعت الأمة عليها وارتضتها جماهير المسلمين، لم يجادل في ذلك إلا من كان في قلبه مرض، وفي عقله سقم.

وأنا  أتساءل: لماذا كل هذا التركيز على المرأة، والأسرة المسلمة المغربية؟ والجواب بحسب قولهم هو الدفاع عن حقوقها. أوليس من الدفاع عن حقوق المرأة أيضا، ورفع الحيف، والظلم الذي تتعرض له، الدفاع كذلك عن المرأة المغربية اليهودية؟؟ فلماذا التزام الصمت وعدم إثارة هذا الموضوع، والاكتفاء بالمرأة المغربية المسلمة؟!

وفي هذا السياق أنقل لكم كلاما للعالم الجليل محمد التأويل رحمه الله الذي كشف عن واقع ظالم ومظلم تعيشه المرأة اليهودية، ومع ذلك لا يدافعون عنها، فهل الغيرة هي التي حركتكم للدفاع عن المرأة المسلمة مثلا!!؟

قال رحمه الله: “الأم اليهودية محرومة من الإرث، وأن البنت اليهودية لا حق لها في الميراث إذا تزوجت في حياة أبيها، وأن الابن البكر يعطى ضعفي الابن الثاني والثالث…

ومع هذا التفاوت الواضح، فإنهم ساكتون لا يشكون ولا يحتجون على ذلك ولا نسمع أحدا في الشرق ولا في الغرب من يثير قضيتهم؟؟ الأمر الذي يدعو للتساؤل عن سر هذا التعاطف مع المرأة المسلمة في المطالبة بالمساواة في الإرث وتحريضها على التمرد على دينها وشريعتها.

هل لأن نظام الإرث اليهودي أعدل وأنصف للمرأة من نظام الإرث الإسلامي؟  أم أن المسؤولين في الدولة اليهودية يقفون بالمرصاد لكل من تسول له نفسه المس بمقدساتهم الدينية…”.

[من كتاب “لا ذكورية في الفقه الإسلامي”، للشيخ  محمد التأويل -رحمه الله-].

أترك لكم الحكم.

الدعوى الرابعة: أن زواج القاصرات اعتداء على الطفولة والتعديد اعتداء على – الامومة- المرأة.

أصحاب هذه الدعوى أنفسهم لا يرون مانعا من أن تتخذ البنت في سن مبكرة الصاحب، والخليل، بل يشجعون على ذلك بدعوى اكتشاف الذات، وحرية التصرف، والبحث عن المتعة، في المقابل يرون تزويج البنت وإن في سن  17 من عمرها هو اعتداء على الطفولة، فإذا كان الزواج اعتداء، فهل اتخاذ الصاحب والخليل حماية مثلا!!!!؟؟ فإذا منعنا الأول يجب منع الثاني من باب المساواة على الأقل،، فهذا تناقض صارخ، في الحقيقة أتعجب ممن تستهويه أحاديثهم التي يغلفونها بالدفاع عن البنت، وعن حقوقها وهم في الأصل يعتدون عن حقها في الزواج، بالله عليكم ماذا يضركم بنت في عمر 16 أو 17 سنة أرادت بمحض إرادتها أن تتزوج برجل أحبته وأحبها وبرضا أهل الزوجين، والجميع متفق على هذا الزواج حتى من القاضي نفسه، فما الذي يضركم في هذا؟؟!! وما دخلكم  في شؤون الناس؟! ألستم أنتم من تدافعون عن الحرية؟، فالناس أحرار يختارون ما يشاؤون.. إنكم تضعون أنفسكم في تناقضات صارخة بدون أن تحسبوا لها حسبة فها أنا أكشفها لكم!!

فإذن دعوى منع تزويج البنات ليس الغرض منه حمايتها، وإنما الغرض منه حرمانها من حقها في الحلال، وإعطائها البديل، بالاعتداء عليها، واستغلالها من قبل الذئاب البشرية في الحرام؛ فإذا قضى وطره منها، رماها في الشارع، لتجد نفسها ضحية ادعاء مسموم مغلف بكلام معسول.

أما التعديد – هم يقولون التعدد وهو خطأ لغوي- فكيف لمن لا يملك أبجديات اللغة العربية أن يخوض في القرآن ويفسره!؟ على هواه طبعا هذا هو المقصود؟؟

دعواهم كما في زواج البنت حمايتها، يكررونه في تعديد الرجل، حمايتها من ماذا؟ اللهم أعلم، فكما أنهم لا يرون بأسا في اتخاذ البنت للصاحب، والخليل؛ فكذلك لا يرون بأسا في اتخاذ الرجل المتزوج للخليلات، والصاحبات، وكما قلت سابقا أنتم تتناقضون مع أنفسكم، كيف تسمحون بتعديد الصاحبات، والخليلات، وتمنعون تعديد الزوجات مع فارق كبير بينهما؛ ففي الأولى تلبية للرغبة، وقضاء للشهوة دون أدنى تحمل للمسؤولية لما قد ينتج عن المعاشرة المحرمة -الزنا- وفي الثانية الحلال والستر، والعفاف، وتحمل للمسؤولية في النفقة ولما قد ينتج عن المعاشرة الزوجية الشرعية، فبالله عليكم أيهما أقرب للصواب، والمنطق، ومصلحة المرأة؟ إن النتيجة المباشرة لمنع التعديد، وتزويج البنات، لنقولها بصريح العبارة هي الزنا، وتفشيها في المجتمع على أمل القضاء على الزواج، بتقليل الأسرة، وتكثير الأسرة -المعاشرة في الحرام-  كما هو واقع الغرب الغارق في مستنقعات الرذيلة والخيانة والأفول الاجتماعي والأسري، الذي أرادوا أن نتخذه نموذجا يحتذى به.!!

إن الاحصائيات الرسمية تشير إلى وجود 8 ملايين امرأة عانس بدون زواج،  أو فاتها سن الزواج. إن هذا الرقم الكبير المهول هو من نتاج سياستهم، فلم تكفهم فأرادوا أن يحولوا المجتمع كله إلى مجتمع عانس. فإن كنتم فعلا تدافعون عن حقوق المرأة، وعن مصلحتها، فماذا قدمتم من حلول لثمانية ملايين عانس، يعانين في صمت، ولا أحد فكر فيهن!!

إن المرأة تحتاج إلى أن تتزوج، وتكون بيت، وأسرة، وهو أمر فطري، وطبيعي؛ فلو سألن أي امرأة، فإن غايتها هو أن يكون لها زوج، وأبناء، هنا تكمن مصلحتها وهو حق من حقوقها الطبيعية الفطرية. لكن القوم يسعون بكل ما أوتوا من قوة أن يمسحوا من عقل المرأة الأهداف الطبيعية، وتصوير أهداف أخرى تبدو مغرية، وفاتنة، لكن في النهاية حتى وإن بلغت تلك الأهداف يبقى ينقصها الرجل الزوج، واسألن من وصلن لمراتب كبيرة في المجتمع، لكنك تجدها تعيش وحيدة، كيف هو شعورها؟ وما هي طموحاتها بعد تحقيق الأهداف الأخرى؟ في اعتقادي أن هؤلاء يدافعون عن هذه الدعوى لسببين اثنين لا ثالث لهما:

السبب الأول: معظمهن ليس لهن أسرة أصلا، فكما حرمن من هذا الحق، يردن حرمان غيرهن، بسبب الغيرة، والحسد.

والسبب الثاني: أنك تجد من حالفها الحظ وتزوجت، وكونت أسرة، أنها لم تستطع الحفاظ عليها بسبب هذه الأفكار الهادمة التي تتخذ من الرجل الند، والضد، والعدو فينتهي بها المطاف إلى الفشل.

كيف تدافعون عن الحرية، وأنتم تمارسون الوصاية عن الناس، هذا يشي بأن الحرية عندكم ليست مبدئا؛ وإنما مصلحة توجهونها حيثما تخدم مصالحكم، وهذا تناقض صارخ َمفضوح، ومكشوف!!

الدعوى الخامسة: الحريات الفردية: حرية المعتقد، حرية الجسد.. العلاقات الرضائية.

مؤدى هذه الدعوى أنهم يدعون إلى الحرية في أن يعتقد الإنسان ما شاء، ونحن نقول لهم أين المشكلة؟، فقد أعطى الخالق سبحانه وتعالى قبلكم لخلقه أن يؤمنوا بما شاءوا؛ فقال في محكم كتابه 🙁 لا إكراه في الدين) لذلك قضية اختيار الدين، والمعتقد محسومة، وقد كفلها الإسلام للناس قبل غيره.

أما قضية حرية الجسد والتي تعني حسب نظرتهم أن المرأة حرة في جسدها تفعل فيه ما تشاء. هذا ادعاء بعيد عن المنطق، والشرع، والصواب؛ فمن منطلق المنطق أن الإنسان حر فيما يملكه، وفيما يصنعه بيده، ومن منطلق الشرع؛ فالجسد هو من خلق الخالق وحده سبحانه، وهو وحده من يملك حق تحديد مجال التصرف فيه، أما إذا كانوا يدعون أنهم هم من يخلقون أجسادهم فذلك كلام آخر!!

وعن حرية الجسد تتفرع قضية حساسة كثيرا ما يثيرون الجدال والنقاش حولها وهي ما يسمونه بالعلاقات الرضائية، ويقصدون بها أن الرجل والمرأة حران يفعلان بجسديهما ما يريدان بدون قيد، أو شرط، ونحن نقول لهم زيادة على ما تقدم بيانه بخصوص حرية الجسد، أن هذه ليست حرية؛ وإنما هي فوضى، وسلوك حيواني، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، الحرية من مقتضياتها ألا تعتدي على طرف أو أطراف أخرى، وفي هذا الأمر اعتداء على طرف كبير وهو المجتمع، وهذا ما يميز حقيقة  نظرة الإسلام عن غيره من المرجعيات، والنظريات، والقوانين الوضعية؛ فالقيمة المحورية التي يدور عليها التشريع الإسلامي كله هي : حق الفرد، وحق المجتمع، ومن هنا كان الخلاف جذريا بين التشريع الإسلامي وغيره من التشريعات المتطرفة من حيث البنية الذاتية لكل تشريع، ومن حيث فكرة الحق ونوعيته ومفهومه، بل من حيث مفهوم العدل في كل منها، فالحقوق لها صفة الازدواجية فردية، واجتماعية، وهي في الوقت نفسه وسائل لتحقيق هذه الغاية المزدوجة أيضا؛ وهي المصلحة الفردية، والمصلحة العامة، توفق بينهما عند التعارض ما أمكن، وتقدم الأخيرة إذا استحال التوفيق بينهما.

فلا يعقل ان تمارس الفاحشة، أو تفطر في نهار رمضان أمام الملأ بدعوى وحجة الحرية، فلا يفعل ذلك إلا مجنون، أو مكابر، أو معاند لشرع الله تعالى. أما العاقل فينأى بنفسه عن مواطن الهبل، والجنون، وإن كان يعتقد اعتقادا مضادا للجماعة؛ لأنه يعلم أن ذلك هَو سلوك عدواني غير أخلاقي، لا إنساني.

إن هؤلاء لا يكتفون باقتراف المنكرات الفواحش في الخفاء؛ وإنما أرادوا أن يخرجوا بها إلى العلن متحدين في ذلك كل القوانين والأعراف، وقبل ذلك حدود الله، قال تعالى في شأن هؤلاء:( : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾. السورة ورقم الآية: النور (19). هذا جزاء من يحب أن تشيع الفاحشة، فكيف بمن يشيعها بفعله؟ وقال في آية أخرى:(وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَاٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا). [ الإسراء: 32].

فلا هم امتنعوا عن إشاعة الفاحشة، ولا هم ابتعدوا عن الزنا، نسأل الله السلامة والعافية. وهنا أشير إلى أن المذنبين والعصاة نوعان: نوع غلبته شهوته وضعف إيمانه مما جعله يقع في المنكرات، وهو عالم بذلك مقر بمعصيته ساتر لنفسه، هذا أمره أهون ممن يفعل المنكرات الفواحش، ويشيعها ويجاهر بها، فهذا أخطر وأشد؛ لأن الأول معترف بذنبه، أما الثاني يفعل فعلته متحديا الخالق سبحانه  وتعالى؛ لذلك كانت عقوبته أشد وأكبر من غيره من العصاة.

فالدعوى إلى الحرية في الجسد بدون ضوابط شرعية وقانونية إذن هي دعوى إلى الفوضى، وإلى الانحطاط الأخلاقي للمجتمع من مرتبة الإنسانية المكرمة إلى درك الحيوانية الممحوقة.

الدعوى السادسة: الحق في نصف ثروة الرجل بعد حصول الفراق والطلاق.

من التناقضات الصارخة عندهم أنهم يعادون كل ما هو ديني، وشرعي؛ لكنهم في المقابل يستدعون من الفقه ويستعينون بما يرونه يقوي ويعضد دعوتهم، وهذا الفعل زيادة على كونه يوصف بوصف الازدواجية المعيارية الذي يعني من المنظور الشرعي النفاق السلوكي، هو فعل من شيم اليهود الذي أخبرنا الحق سبحانه عنهم في كتابه العزيز حيث قال:({أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}. سورة البقرة الآية 85. فكيف لمن يعارض شيئا ويعاديه، ويدعو لإقصائه أن يأخذ منه ما يراه يخدم مصلحته؟! هذا من جهة، من جهة الأخرى، يا ليتهم أخذوا ما هو صحيح وثابت في الفقه، فقضية الكد والسعاية التي يعولون عليها لإثبات حق الزوجة في نصف ثروة زوجها بعد الطلاق، ليس على إطلاقها؛ فكل ما في هذا الأمر، أن الزوجة إذا عملت في مال زوجها، وشاركت في نمائه بعملها أنداك لها الحق في ثروة زوجها، أما ما هو من غالب واقع النساء، أنهن ربات للبيوت، ولا يشتغلن في مال أزواجهن بأي وجه من الوجوه، فهذا لم يقل به أحد من العلماء، وهذا هو العدل، وهم يعرفون ذلك، لكنهم يريدون أن يلبسوا ويفتنوا ويغروا النساء بالثروة، والمال، ليحققوا مبتغاهم في تفكيك الأسرة المسلمة.

إن الإسلام جاء ليحقق العدل في الأرض وهو من أقصد مقاصده الكبرى، فالمرأة التي لها ولو وجه من وجوه المشاركة، والنماء في مال زوجها، فلها الحق فيه من منطلق ومنطق إحقاق الحق، وإعطاء لكل ذي حق حقه، وهذا مما لا اختلاف فيه، ولا جدال، وإنما الذي لا يقبل هو اقتسام ثروة الرجل بشكل عام ومطلق، وفي جميع الأحوال، هذا هو عين الظلم، وأكل أموال الناس بالباطل، وأخذها بغير وجه حق، كرها وضدا في الرجل، كونهم يرون فيه العدو لا لشيء إلا لأنه رجل.

وهنا انقل كلاما نفيسا في هذا السياق للأستاذ ميمون نكاز، يقول حفظه الله: “و إن مما يجب لفت النظر إليه هو أن خطاب المساواة لا يتوجه به عالميا إلى باقي النظم ذات الصلة بمقررات الأديان غير الإسلام، فالمسيحية لا تسمح للمرأة بأن تكون على مستوى الرجل في ممارسة الوظائف الدينية، فهي لا ترعى الكنيسة و لا تشارك في انتخاب البابا رئيس الكنيسة، و لا تكون رئيسة للكنيسة الكاثوليكية، والأمر نفسه يقال عن اليهودية وعن البوذية وغيرهما، و مع ذلك لا يلوح لأهل هذه الأديان بوجوب إقرار المساواة فيما هو شأن ديني لها، لكن الأحكام ذات الصلة بالشريعة الإسلامية هي وحدها التي تتعرض آهلشتى الهجمات تحت ذرائع مختلفة”.

أختم كلامي وردي على دعاوى هؤلاء بالقول:

أولا: إن كنتم تريدون الدفاع عن حقوق المرأة فإن المرأة المغربية المسلمة لا تقبل من لا يتخذ من الدين مرجعا، ومنطلقا لها.

ثانيا: بمقتضى مبادئ الديمقراطية التي تعتمدونها مرجعا، أن الأقلية تخضع للأغلبية، وليس العكس كما هو حالكم. وأنتم لا تريدون ان تمتثلوا لهذا المبدأ، وهذا خلل كبير يضرب مصداقيتكم في مقتل.

ثالثا: أقترح عليكم بديلا يتجاوز ما جادت به الديمقراطية بكثير، وهو أن تضعوا ما يناسبكم، ونضع نحن ما يناسبنا، وهكذا يكون كل طرف قد احترم الآخر في اختياراته بدون تعسف، فلكم مدونتكم ولنا مدونتنا.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M