هل سيغير موقف بنكيران شيئا على الأرض؟؟

12 مارس 2021 07:30

هوية بريس – إبراهيم الطالب

موقف السيد بنكيران موقف رجل صادق وفيٍّ للمبادئ، لا نشك في ذلك، لكن ليس موقفَ السياسي المحنك، فبنكيران قاد الحكومة وقاد الحزب، وعرف مع من يتعامل، هو مريد للإصلاح لكن بواقعية تتجاوز كل الحدود، والواقعية إن كانت بلا حدود ومقياس وميزان، كانت مجرد خضوع لشروط اللعبة، وبصيغة أخرى خضوع لمن يحكم رقعة الشطرنج، ويضع قوانين اللعبة ويملك تغييرها.

فقد كان عليه أن ينسحب لما انسحب الأرنب شباط واستأسد الهر مزوار، واستنسر الخفاش محارب الأسلمة إلياس العماري.

إن السياسي الواقعي فوق اللزوم لا يخلق الحدث في ملعب الخصم، ولا يوجه الأحداث لصالح برنامجه ولخدمة أهداف حزبه، وبهذا يكون بعد إسقاطه وسقوطه في نظر الناس جبانا في صورة حكيم، هذا ما ينطبق على السيد العثماني، أكثر من السيد بنكيران، لكن كلاهما كان واقعيا في التعامل مع الفاعلين الأقوياء في المشهد السياسي المغربي.

أكيد أن حزب العدالة والتنمية دخل الحكومة من بوابة أزمة كان يعيشها من يسوسون البلاد، فليس غريبا إذا أن يغادر الحزب عندما تنتهي صلاحيته، إن لم يستغل الواقع لزيادة قوته السياسية والجماهيرية.

فهل كان السيد بنكيران وحزبه ينتظرون أن تعطى لهم مفاتيح الدولة لمجرد أنهم قرروا المشاركة في صنع الاستثناء المغربي؟؟

هل كانوا يظنون أن تستمر ضمانات الإصلاح في ظل الاستقرار، بعد أن هدأت رياح التغيير العربي؟؟

هل كان على بن كيران أن ينتظر حتى يتحلل جثمان الحزب ليسحب عضوية حزبه في حكومة لم تستطع إقالة مديرة للأخبار في قناة تلفزية رسمية؟؟

فماذا يملك بنكيران الآن بعد أن نال تقاعده الاستثنائي؟؟

وماذا كان يملك من قوة قبل جلوسه فوق الكرسي العاشر للحكم؟؟

فقبل ما سمي بالربيع العربي كان الحزب يتخطف قادته وبدأت تصفيته، واضطرت الدولة إلى أن تخرج قادته من السجون إلى سدة الحكومة، لأنها كانت تبحث عن الاستقرار، هذا الاستقرار الذي كلف اليوم حزب العدالة والتنمية الشيء الكثير.

لكن ماذا كان يملك حزب بنكيران؟

كان يملك النزاهة والصدق والأمانة. نعم هذا صحيح.

لكنها كلها أمور أعطت قوة للدولة لتسوق أن انضمام حزب العدالة والتنمية للمشاركة في الحكم سيجلب الإصلاح والثروة والكرامة ويوقف الفساد والظلم والاستبداد. هكذا كان يخيل للناس، فعلا لقد ربحنا الاستقرار لكن على حساب الإصلاح مرة أخرى.

إن الدرس الذي نستفيده من تجربة العدالة والتنمية هو أن النزاهة والصدق والأمانة كلها قيم يتوجب أن تكون في السياسي المصلح، لكنها لا تكفي لخوض غمار سياسة لا تشكل الدولة فيها سوى عنصرا ضعيفا أمام نظام تحكمه قوى تجثم على مراكز القرار في كل الدول غير المستقلة اقتصاديا وثقافيا.

فالمغرب مجرد دولة ضعيفة في عالم تتحكم فيه القوى المتصارعة، يسود فيه نظام عولمي تخضع فيه السياسة الداخلية في البلدان الضعيفة للسياسات الخارجية للدول العظمى ومصالحها الاستراتيجية.

لهذا لا نتعجب إن لم يستطع بنكيران وحزبه أن يقفوا في وجه قانون ذبح اللغة العربية وأحيى الفرنسة لتستعيد مكانتها ونفوذها مرة أخرى كأن الاستعمار لم يخرج.

لم يستطع الحزب ولا قادته لذات الأسباب أن يقولوا شيئا في قضية التطبيع وما يليه.

واليوم لن يستطيعوا أن يقولوا أو يفعلوا شيئا مع قانون تقنين القنب “الزطلي”.

إن الحالة السياسية في بلادنا حالة استثنائية بامتياز، تحتل فيها الأحزاب السياسية درجة خلف درجة “الشيخات”، وزعماؤها أقل تأثيرا في الشعب من الراقصات.

لأن المتحكم في اللعبة السياسية لا يريد أحزابا قوية، يريد “ديمقراطية” تخرج نظامه عن مسمى الاستبداد، ولا تأخذ من سيادته وسطوته شيئا.

ومن أين للأحزاب أن تأتيهم القوة وليس لهم زعماء سياسيون ولا لوبيات اقتصادية ولا مشاريع نهضوية.

وأقواهم اليوم حزب العدالة والتنمية ليس له شيء مما ذكرنا، سوى أنه يملك حناجر مناضليه وزعمائه، التي لا وزن لها عندما يفقد الحزب مكانته عند خصومه، الذين عملوا دوما على قتله أدبيًا لدى الجماهير والمناضلين كلما سنحت الفرصة.

إن الحناجر لا تنفع سوى لتوليد الصداع، فهي لا تنفع عند الجلوس للمفاوضات سوى إذا كانت مسنودة بأصحاب الأموال وزعماء الفكر وأرباب الإعلام، وكل هذا غير متوفر لدى العدالة والتنمية، وقد تمت تصفية ما كان فيه من هذه الأشياء رويدا رويدا.

علينا أن نعترف ألا حزب في البلاد سوى حزب الدولة، وألا قوة في البلاد إلا قوة الأجهزة.

لقد أفلس كل شيء.

ومن مظاهر الإفلاس التي تقتل الغيور كمدا أن تقرأ في مشروع قانون القنب فقرة تنم عن انعدام الحس، وتدل على الإفلاس الكامل لدى من يشرعون للمغاربة.

والله كادت الدموع تنزل من عيني، وصعقت وأنا أقرأ هذه الفقرة:

“وأشارت وزارة الداخلية، في مشروع القانون المتعلق بتقنين زراعة القنب الهندي إلى أن المغرب كان سباقا لوضع إطار قانوني ينظم استعمال المخدرات لأغراض طبية من خلال الظهير الصادر في 2 دجنبر 1922، غير أن ظهير 24 أبريل 1954 وضع حدا لزراعة القنب الهندي في كافة الأنشطة المشروعة”.

 

متى كان سباقا لذلك؟؟

في سنة 1922.

أي تحت حكم الاحتلال الفرنسي العلماني.

ألا يعلم هؤلاء أنه في ظل حكم الاحتلال تم تقنين مشروبات الخمور، والقمار كذلك.

وفي نفس الزمن تم تقنين الدعارة.

فهل إذا تم قبول مطلب بعض العلمانيين بتقنين الدعارة ستخرج الداخلية لتقول للمغاربة: إن المغرب كان سباقا لتقنين الدعارة؟؟

والله عجيب، كأن مرحلة الاستعمار لا تزال مستمرة!!

بأي منطق تخاطب الحكومة الشعب المغربي المسلم؟؟

كارثة أن تكون هذه سياسة حكومة بلد مسلم مثل المغرب الذي لا يزال يعتز بالمذهب المالكي وله مجلس علمي أعلى.

لنخفف عن أنفسنا سنعتبرها أخطاء فردية لموظفين لا يعرفون التاريخ ولا يعطون وزنا للكلام عندما يكون صادرا عن جهة حكومية.

إن الذين يكتبون مثل هذه العبارات دون مراعاة تاريخ شهداء المغرب، والأبطال الذين عذبوا في سجون الاحتلال، وأولئك الذين ماتوا من أجل أن تعود للمجتمع المغربي مقتضيات هويته كما كانت محترمة محكمة، وشريعة دينه حاكمة سائدة، يكتبونها لأنهم لا ينتمون إلى هذه البلاد على الأقل وجدانيا.

علما أن منهم علمانيين يرون في الدين عائقا دون التقدم والنهضة، فهؤلاء هم أبناء الاحتلال تتلمذوا على نظمه ومقرراتها في التعليم والثقافة والفكر.

إن المغاربة أمام مرحلة عصيبة نسأل الله أن يحفظ علينا فيها أمننا واستقرارنا، فالدولة اليوم ستقف أمام الشعب حيث استنفذت آخر منديل مسحت به وجهها الذي يدنسه مفسدوها، من خدامها، من الطبقات التي تشاركها تنفيذ سياساتها.

فلا ندري أي حزب يصلح في المرحلة القادمة لتتمندل به.

بنكيران جمد عضويته وقاطع إخوانه، وماذا بعد؟؟

لن يتغير شيء على الأرض!!

فقد مر قبله عبد الله إبراهيم وعلال الفاسي وعبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمن اليوسفي، رحم الله الجميع، وكلهم كانوا أرقاما صعبة وكانت لأحزابهم شعبية جماهرية يقام لها عندما تتكلم.

فأين هي اليوم؟؟

طحنتها الآلة السياسية التي يديرها التماسيح والعفاريت.

فرحم الله عبد الإله بنكيران، ورحم الله الإصلاح وحفظ الله لنا الاستقرار.

موعدنا يوم ينطلق المغرب في مضمار ما بعد كورونا في ظل التطبيع والفرنسة والزطلة.

وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.

آخر اﻷخبار
2 تعليقان
  1. انها الحقيقة بعينها حقيقة الوضع ببلاد المغرب، ليبادر كل منا على قدر استطاعته بحمل مشعل الإصلاح والترميم ويساهم في المحافظة على قيم المجتمع ويستحضر قول المولى عز وجل”وما اريد الا الإصلاح ما استطعت”، فهذا زمن تغول فيه الفساد المقنن، وتجبرت فيه الإلحاد نسأل الله السلامة والعون الإخلاص على القيام بواجباتنا

  2. مقال رشيد. تمنيت أن أكتبه أو يكتبه أحد غيري. والحمد لله الذي وفق كاتبه إلى كتابته. وكما أثر عن السلف الصالح:”ما جادلت أحدا إلا سألت الله أن يظهر الحق على لسانه”.

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
12°
18°
الثلاثاء
17°
الأربعاء
17°
الخميس
19°
الجمعة

كاريكاتير

كاريكاتير.. ادريس غانا غاي يسدد بضربة قوية

حديث الصورة

128M512M