وزير سابق يكتب عن شيخه عبد الكريم الداودي.. كنا محظوظين بالاغتراف من بحر علم هؤلاء الرجال..

29 نوفمبر 2021 12:54

هوية بريس- خالد الصمدي*

درس جامعي من الزمن الجميل..

لئن كان البعض لا يزال ينعت الفقه الأكبر بالفقه الأصفر المنتمي للزمن الأغبر ، فإن دقة التعاريف التي حفظتها كتب الحدود في مختلف الفنون تكذب كل ذلك ، وتدل على نضج كبير في منهجية التفكير وبناء المعرفة عند النبغاء من الفقهاء، وفي هذا السياق تعود بي الذاكرة الى هذا التعريف الذي يقول فيه ابن عرفة : ” الاجارة بيع منفعة ما أمكن نقله :كسفينة أو حيوان، بعوض غير ناشئ عنها بعضه يتبعض بتبعيضها “.

تعريف فقهي وقانوني دقيق للإجارة ملحه هذا البعض والتبعيض الذي انتزع منا في البداية ضحكات وهمهمات حين سمعناه من أستاذنا لاول مرة ، ثم علمنا بعد ذلك أنها كلمات ليست كالكلمات حيث قضى أستاذنا في شرحها الساعات تلو الساعات بإيراد النماذج والامثلة ونقيضها ، مفرقا بين الإجارة والكراء والمزارعة وغيرها من المفاهيم المجاورة ، وبجولات واسعة من قريحته وذاكرته في حقول معرفية متنوعة ومتكاملة من اللغة والنكت البلاغية والفقه والمقاصد والتاريخ وعلم الاجتماع وعلم المنطق والتربية وغيرها ، وذلك بإحدى قاعات كلية الآداب بظهر المهراز بجامعة محمد بن عبد الله بفاس سنة 84 من القرن الماضي ، حتى نحته في أذهاننا نحتا باسلوب مشوق وطريقة رائعة ممزوجة بروح الفكاهة وهو يتنقل بين صفوف الطلبة بحيوية ونشاط في قاعة تضم اكثر من أربعمائة طالب وطالبة وهو في سن السبعين من عمره.

ولا زلت استحضر هذا التعريف وتفاصيل شرح كل حرف من حروفه الى اليوم بعد مرور 35 سنة على هذه الحصة الدراسية الماتعة، في أطول صورة من صور استدامة التعلمات تعجز عن تفسيرها أرقى نظريات التعلم الحديثة وأقواها ، سوى أن تجاوبنا مع أستاذنا كان تجاوبا روحيا قبل أن يكون علميا.

رحم الله أستاذنا فقيه زمانه العلامة الحاج عبد الكريم الداودي خطيب جامع القرويين بفاس وكبير المفتين بها ، فقد تعلمنا منه المنهج والتفكير المنهجي الى جانب العلم الواسع والخلق الرفيع.

وكلما طال الزمان اكتشفنا أننا كنّا محظوظين بالاغتراف من بحر علم مثل هؤلاء الرجال وأي رجال.

* وزير منتدب مكلف بالتعليم العالي سابقا

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M