التشيطين يعود مجددا.. جريدة تنصب محاكم التفتيش لداعية مغربي

التشيطين يعود مجددا.. جريدة تنصب محاكم التفتيش لداعية مغربي
هوية بريس – نبيل غزال
في افتتاحية مغرضة نشرتها يومية “الصباح” بمناسبة السنة الأمازيغية الجديدة 2976، اختارت الجريدة على عادتها أن تستبدل النقاش الفكري والحجاجي بلغة الاتهام والتشويه، مستهدفة أحد الدعاة المغاربة بسبب تعبيره عن رأي شرعي يرى فيه عدم جواز الاحتفال بهذه المناسبة. ولم تقف الافتتاحية عند حدود الاختلاف، بل انزلقت إلى منطق خطير يقوم على التجريم الرمزي والإيحاء الإرهابي، عبر ربط اسم الداعية وكُنيته بأسماء قادة تنظيمات متطرفة، في سابقة تطرح أسئلة مقلقة حول أخلاقيات المهنة الصحفية وحدود المسؤولية الإعلامية.
فبدل أن تناقش صاحبة مقال “صلاة التراويح هي فوضى” الرأي بالرأي، والحجة بالحجة، لجأت إلى أسلوب الإدانة بالتشابه اللفظي، وكأن الكُنى صارت قرائن جرمية، أو كأن التعبير عن موقف ديني مخالف للهوى الثقافي السائد يُحوّل صاحبه تلقائيا إلى مشروع متطرف. وهو منطق لا يخدم حرية التعبير، ولا يحمي التعايش، بل يفتح الباب أمام شيطنة فئات واسعة من المواطنين، والزجّ بهم في دائرة الخطر الأمني والمعنوي دون سند قانوني أو قضائي.
الأخطر في افتتاحية “الصباح” ليس فقط ما قيل، بل ما أُريد الإيحاء به عبر الدعوة الصريحة إلى محاصرة أصحاب الآراء المخالفة بالقانون الجنائي وقانون الإرهاب، في خلط مريب بين الرأي والاجتهاد من جهة، والعنف والكراهية من جهة أخرى. هذا الأسلوب لا يُعبّر عن دفاع عن التعدد أو عن الأمازيغية، بقدر ما يكشف عن نزعة إقصائية تستثمر خطاب محاربة التطرف لتصفية حسابات أيديولوجية قديمة مع كل ما هو ديني.
وليس هذا الانزلاق جديدا على هذا المنبر المثير للجدل، الذي راكم خلال سنوات طويلة خطابا عدائيا تجاه المتدينين بمختلف أطيافهم، وهاجم أحكاما شرعية قطعية، وسخر من شعائر دينية، ووصم مظاهر التعبد بكونها “فوضى” أو “أفيونا للشعب“، وبلغ به الأمر حد التشكيك في القرآن الكريم، والدفاع العلني عن أنماط سلوكية وقيمية تصطدم بشكل صريح مع هوية المجتمع المغربي واختياراته الدستورية.
إن ما وقع ليس مجرد سقطة مهنية، بل مؤشر على أزمة عميقة يعيشها جزء من الإعلام الذي عجز عن مواكبة التحولات بهدوء ومسؤولية، فاختار التصعيد والتحريض والتخويف. وقد عبّرت صفحات ومبادرات مدنية، من بينها صفحة “حراس الفضيلة”، عن استنكارها لهذا النهج، معتبرة أن ما جرى تشهير صريح وتضليل للرأي العام، ومحاولة لإسكات الأصوات المخالفة عبر سلاح الدعشنة الجاهز.
والمفارقة الصارخة في خطاب هذه المنابر أنها تتقن ازدواجية المعايير إلى درجة النفاق؛ فتارة تلوّح براية دولة الحق والقانون للدفاع عمّن يطعن في رسائل النبي محمد ﷺ ويصفها بالإرهابية أو لمن تسيئ للذات الإلهية بما يعجز القلم عن كتابته، معتبرة كل ذلك مجرد رأي مستفز تحميه حرية التعبير، لكنها في المقابل تستنفر قاموس التخوين والتحريض حين يعبّر داعية واحد عن رأي بخصوص حدث عابر.
في هذه الحالة لم تعد حرية التعبير مبدأً، بل أداة انتقائية تُمنح حين تخدم الهوى الأيديولوجي، وتُسحب حين يتعلّق الأمر بالدين، في انحراف خطير يحوّل الإعلام من فضاء للنقاش إلى منصة للتشهير.
لقد آن الأوان لإعادة التذكير بأن حرية الصحافة لا تعني حرية التشهير، وأن الاختلاف لا يبرر التخوين، وأن الدفاع عن التعدد لا يكون بإقصاء مكوّن أصيل ومركزي من المجتمع. وفي مثل هذه الممارسات، لا يسع المتابع إلا أن يستحضر قول النبي ﷺ: “إذا لم تستح فاصنع ما شئت”.



