السياسة الدينية بالمغرب بين إصلاح معلن وعلمانية مقنّعة

06 يناير 2026 18:07

السياسة الدينية بالمغرب بين إصلاح معلن وعلمانية مقنّعة

هوية بريس – عابد عبد المنعم

منذ أزيد من عقدين، يشغل أحمد التوفيق منصب وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، في واحدة من أطول الولايات الوزارية في تاريخ المغرب المعاصر. طول المدة وحده كاف لأن يجعل الرجل وسياساته محل مساءلة عمومية جادة، لا من باب الشخصنة، بل من زاوية ما آلت إليه السياسة الدينية الرسمية، وما راكمته من اختيارات وتوترات عميقة في علاقة الدولة بالدين والعلماء والمجتمع.

لقد سبق للباحث في علم الاجتماع السياسي محمد الطوزي أن وصف أحمد التوفيق بـ”رجل الأيديولوجيا”، وهو توصيف لم يأت من فراغ، إذ سبق لمنابر إعلامية ذات توجه علماني، أن ذهبت إلى أبعد من ذلك حين وصفته بـ”مارتن لوثر المغرب”، في إحالة رمزية إلى رجل الإصلاح الديني لدى النصرانية الأوروبية.

غير أن المقارنة، عند إخضاعها للتمحيص، تكشف عن مفارقات صارخة.

فمارتن لوثر، في سياقه التاريخي، ثار على بيع صكوك الغفران، وانتقد الفساد العقدي واللاهوتي داخل الكنيسة، وأباح الطلاق بعد أن كان محرما، أما في التجربة المغربية، فإن وزير الأوقاف لم يخض معركة حقيقية ضد الخرافة والانحرافات العقدية المرتبطة ببعض التقاليد التي لا صلة لها بالحنيفية والأحكام الشرعية، بل على العكس من ذلك، كرس الخرافة ودعمها ماديا ورمزيا، وقدمها بوصفها مكوّنا من الهوية الدينية المغربية، حتى عندما تصطدم صراحة بأصول التوحيد ومقاصد الشريعة.

في مقابل هذا التساهل مع الموروث المنحرف، شُنّت حملة صارمة ضد العلماء والدعاة والخطباء الذين حاولوا مساءلة هذه الاختيارات، أو ربط الدين بقضايا الشأن العام والعدالة والاقتصاد والأخلاق.

علمانية مُمارسة باسم الدين

المفارقة الأخطر في السياسة الدينية المعتمدة، أنها لم تعلن القطيعة مع الدين، بل فرضت علمانية عملية في تدبيره، فقد جرى تحييد العلماء والخطباء من التدخل في قضايا المجتمع، ومنعهم من تناول الملفات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بدعوى تحييد المنبر، بينما تم في الواقع تأميم الخطاب الديني وإفراغه من أي مضمون نقدي أو إصلاحي.

وقد بلغ هذا المسار ذروته حين خرج وزير الأوقاف بنفسه ليعلن أن “الفائدة” المعمول بها في القطاع البنكي ليس ربا، في موقف صادم للرأي العام، ومتعارض مع ما صدر عن المجالس العلمية المعتمدة نفسها، ومع ما استقر عليه إجماع علماء المغرب قاطبة.

هنا لم نكن أمام اجتهاد علمي منضبط، بل أمام قرار سياسي بلبوس ديني، ينسف مبدأ استقلال الفتوى، ويحوّل العلماء إلى مجرد منفذين لخيار مُسبق.

إسقاط النخب العلمية وتفريغ الحقل الديني

على امتداد أكثر من عشرين سنة، جرى إقصاء نخبة واسعة من علماء المغرب ودعاته، ممن عُرفوا بالعلم والاستقلالية والتأثير المجتمعي، واستُبدلوا بخريطة جديدة، صُممت وفق رؤية واحدة، لا تقبل التعدد ولا الاختلاف، وتُدار بمنطق الولاء والامتثال، لا الكفاءة والتفاني في خدمة الشأن الديني.

لم يكن هذا التحول عفويا، بل جزء من مشروع يروم تجفيف منابع التأثير الديني خارج الإطار الرسمي، وتحويل الدين إلى وظيفة إدارية، تُدار بالمنشورات والدوريات والتعليمات الفوقية.

وفي هذا السياق حاء قرار توحيد خطبة الجمعة في ربوع المملكة، والذي قُدِّم رسميا باعتباره إجراء تنظيميا، لكنه في العمق كان أداة لتمرير الخطاب الوحيد الذي تريده الوزارة، ومنع أي اجتهاد أو تنويع أو تفاعل حيّ مع قضايا الناس.

بل الأخطر من ذلك، أن من عارض هذه السياسة واحتج عليها، وُصِف، على لسان الوزير نفسه، بـ”الخوارج”، أي المفارقين للجماعة. وهو توصيف ذو حمولة عقدية خطيرة، خاصة وأن مصطلح الخوارج في التراث الإسلامي يقترن بأوصاف شديدة، منها ما ورد في الحديث الشريف بـ”كلاب أهل النار”.

من عقد البيعة إلى العقد الاجتماعي

نحن اليوم، في ظل هذه السياسة، أمام انزياح عميق في المرجعية الدينية المؤطرة للعلاقة بين الدولة والمجتمع؛ والحاكم والمحكوم، انزياح جرى فيه تفريغ عقد البيعة الشرعي من مضمونه القيمي والالتزامي والتاريخي، وتعويضه عمليا بمنطق تدبيري أقرب إلى الفلسفة الوضعية للعقد الاجتماعي لجون جاك روسو، وإن جرى تسويقه بعبارات دينية تمرَّر من فوق المنبر في أكثر من 52 ألف مسجد.

إزاء وضع كهذا لم يعد الخطاب الديني مجالا للنصح والتقويم والاجتهاد، بل يتحول إلى أداة ضبط سياسي ناعمة، منزوعا من روحه النقدية، ومُعاد تشكيله ليُزكّي اختيارات جاهزة، لا يُسمح بمساءلتها ولا حتى مناقشتها داخل الفضاء الديني.

تحد حقيقي للشأن الديني

إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد نقاش فقهي أو إداري، بل تحد حقيقي لمستقبل الشأن الديني بالمغرب. تحدّ يمر بهدوء، وبحمولات خطيرة، تُغيِّر علاقة المجتمع بدينه، وتُفرغ العلماء من دورهم، وتُحوِّل المنبر من فضاء هداية وإصلاح إلى أداة تمرير خطاب رسمي أحادي.

وإذا كان الإصلاح الديني ضرورة لا خلاف حولها، فإن الكارثة الحقيقية تكمن في إصلاح يُفرض بلا وعي، وتحديث يستورد بلا جذور، وتدبير للدين بمنطق الوصاية والإقصاء. فالدين في المغرب لم يكن يوما عبئا على الدولة أو المجتمع، بل ظل دائما جزء من الحل، حين يُحترم علماؤه، وتُصان تعدديتُه، ويُدار بمنطق الحكمة لا التعليمات والأوامر الفوقية.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
16°
15°
الجمعة
15°
السبت
15°
أحد
16°
الإثنين

كاريكاتير

حديث الصورة