الوثيقة العدلية بين “تلقي الشهادة” و”صناعة العقد”: قراءة نقدية في المفاهيم

01 فبراير 2026 18:34

الوثيقة العدلية بين “تلقي الشهادة” و”صناعة العقد”: قراءة نقدية في المفاهيم

هوية بريس – ذ. محمد أبو الوافي 

أثارت التصريحات الأخيرة التي اعتبرت عمل العدول مجرد “توثيق لشهادات” وليس “تحريراً لعقود” نقاشاً حقوقياً يستدعي وقفة تأملية. فهل يصح قانوناً، في ظل الترسانة التشريعية الحديثة، حصر دور العدل في خانة “الشاهد”؟ أم أن الوثيقة العدلية انتقلت من طور “الإخبار” إلى طور “الإنشاء التعاقدي”؟

أولاً: الانتقال من الفقه الإشهادي إلى القانون التوثيقي

​تاريخياً، ارتبطت “خطة العدالة” بالمنظور الفقهي الكلاسيكي الذي يرى في العدلين “شاهدين” يُفرغان ما عايناه في رقٍّ مكتوب. لكن المنظومة القانونية المغربية المعاصرة، وتحديداً القانون رقم 16.03، أحدثت قطيعة مع هذا التنميط. فالمادة الأولى منه تُعرف العدول بأنهم “مساعدو القضاء” الممارسون لمهنة “التوثيق”. إن استخدام المشرع لمصطلح “التوثيق” (Notariat) يسحب البساط من مفهوم الشهادة البسيطة، ليضع العدل في مصاف المحررين العموميين الذين يصيغون إرادة الأطراف في قالب رسمي.

ثانياً: الطبيعة الإنشائية للعقود العدلية

​إن الفرق الجوهري بين الشهادة والعقد يكمن في الأثر القانوني. فالشهادة إخبار عن واقعة ماضية، أما العقد العدلي فهو أداة لإنشاء المراكز القانونية.

​في عقد البيع العدلي، لا يقوم العدل بنقل خبر أن فلان “باع”، بل هو من يُفعل آلية انتقال الملكية عبر تحرير “التصريحات” والتأكد من “الثمن” و”المبيع”.

​وبناءً على المادة 418 من قانون الالتزامات والعقود، تكتسب الوثيقة العدلية صفة “الرسمية”، وهي صفة لا تُمنح لشهادات الشهود العادية، بل للصكوك التي يحررها موظفون أو ممارسون لمهام عمومية مختصون بالتحرير.

ثالثاً: الدور الرقابي والضمان العقدي

​القول بأن العدل لا يحرر عقداً يتجاهل المسؤولية الجنائية والمدنية الملقاة على عاتقه. فلو كان مجرد “موثق لشهادة”، لانتفت مسؤوليته عن محتوى الاتفاق. إلا أن الواقع القانوني يفرض عليه:

​التحقق من الأهلية والصفة: وهو ركن جوهري في نظرية العقد.

​المطابقة التشريعية: التأكد من أن الاتفاق لا يخالف النظام العام.

​النصح والإرشاد: وهو التزام يقع على عاتق “محرر العقد” لا على “الشاهد”.

ابعاً: إشكالية “المخاطبة” والنفاذ الرسمي

​يرتكز الطرح الذي يحصر دور العدل في الشهادة على ضرورة “خطاب القاضي” لتكتمل الوثيقة. وهذا خلط بين “صحة العقد” و”نفاذه الرسمي”. فالعقد ينعقد صحيحاً بتراضي الطرفين وتلقي العدلين له، أما خطاب قاضي التوثيق فهو “إجراء إشهادي للرقابة” يمنح الوثيقة رسميتها ، ولا ينفي عن العدول دورهم الأصيل كمهندسين لبنية العقد.

خاتمة: نحو تحديث المفاهيم

​إن حصر مهنة العدالة في “توثيق الشهادات” هو اختزال لا يستقيم مع التوجهات الكبرى للدولة نحو “رقمنة التوثيق العدلي” وعصرنته. إن العدل المغربي اليوم هو ​”موثق قانوني للمراكز الإرادية”، وما يخطه بيمينه هو “عقد رسمي” بامتياز، تترتب عليه آثار مادية وقانونية تخرج من دائرة “الإخبار” لتستقر في دائرة “الإلزام التعاقدي”.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
19°

كاريكاتير

حديث الصورة