تأخير الزواج والعزوف عنه في المغرب

تأخير الزواج والعزوف عنه في المغرب
هوية بريس – عبد السلام حجي
هل يعرف المغرب فعلا ظاهرة عزوف الشباب عن الزواج؟
ما هي أسباب عزوف الشباب عن الزواج في المغرب ؟ وهل هي ظاهرة عامة تهم جميع مناطق المغرب أم تقتصر على بعض المناطق منه فقط؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون فقط تأخر سن الزواج لدى الشباب في هذا المجتمع؟ وما هي أهم الآثار التي تنعكس على هذه الظاهرة؟ وهل أن هذا الأمر في تزايد وارتفاع أم أن هذا شيء عادي ومرحلي فقط لا يؤثر في الهرم السكاني؟
قبل الإجابة على هذه الأسئلة، لابد من إلقاء نظرة على أهم المجريات التاريخية في المجتمع المغربي حول هذا الموضوع، ففي سنوات الستينات والسنوات التي قبلها كان ما يعرف بالزواج المبكر عند الفتيات، بل وكانت الأسر تبادر إلى تزويج بناتها وأبنائها في سن النعومة، إذ بمجرد بلوغ أو رشد البنت أو الابن يتم تزويجهم وفق تقاليد الأسرة المغربية العتيقة، ولم يكن ذلك يتطلب كثيرا من الجهد ولا حتى الخوف من تحمل المسؤولية ولم يكن يتطلب أيضا الكثير من التكاليف المادية والبهرجة كما هو عليه الأمر حاليا، بل يتم الزواج بطقوس وتقاليد عادية معينة ،هادئة، تختلف باختلاف مناطق المملكة وباختلاف البيئة هل هي قروية أو حضارية، ولم تكن الأسر تنتظر أن تكمل البنت أو الولد التعليم أو الدراسة؛
كما أن العديد من الأسر كانت لا تعير أهمية فصل بيت الزوج عن بيت أبيه فالشاب كان يقطن مع والده في نفس مسكن عائلته ويستقدم العروس داخل الأسرة وتصبح بذلك كفرد من أفراد أسرة العريس وتتعامل معها أمه كإحدى بناتها ويسري عليها ما يسري عليهن بالضبط ، حيث أنهن أحيانا يتقاسمن نفس المسكن ونفس العيش ومتطلباته، بل أن أولاد الزوجة الجديدة يعدون من أبناء الأسرة ككل، ولم يكن العريس يبالي بمصاريف البيت بل أحيانا تجده يعمل مع أبيه في التجارة أو الفلاحة و يصرف على الزوجة مصروفا موحدا لجميع الأسرة لا تمييز بينه وبين ابنه في ذلك، بل لم يكن للعريس ذمة مالية مستقلة عن أبيه فهو يعمل وإياه في ورشة واحدة ويكون المصروف جماعيا يتحكم فيه الأب الكبير أو جد الأسرة ويشمل جميع المصاريف العائلية، وفي تلك الفترة كان العيش بسيطا و يتم بكيفية مشتركة وجميلة بين الجميع و غالبا في مسكن واحد وغرف متعددة، وفي تلك الفترة أيضا لم تكن البنات تعمل خارج البيت إلا القليلات منهن وللضرورة ، والملاحظ أنه في فصل الصيف خصوصا كانت ترتفع وثيرة المناسبات والأعراس وحفلات الزواج؛
تأخير الزواج في المدن الكبرى:
حاليا و في المدن الكبرى بالخصوص نلاحظ انخفاض في هذه الوثيرة ، وثيرة الزفاف والأعراس ومناسبات الزواج، فنادرا ما نسمع عن حفلات الزفاف، فعلا يلاحظ مسألة عزوف الشباب عن الزواج وبالأحرى إقامة أعراس وحفلات كما كان عليه الشأن في الماضي، ومن خلال البحث وتقصي عن الأسباب الكامنة وراء هذا العزوف خاصة في المدن الكبرى ، يردها البعض إلى تغير ظروف المعيشة إلى الأصعب، وتغير الأفكار لدى معظم الشباب المثقف مع ما يعتري أغلبهم من الابتعاد أو الخوف من تحمل مسؤولية الزواج لأسباب عدة منها المشاكل المطروحة في وسائل التواصل الاجتماعي والانفتاح الكبير المفسد و المباح بها، وكذا تعلم الفتاة وخروجها، إلى ميدان الشغل و انتشار(أفكار الحرية والمساواة إلى غير ذلك) وكذا ارتقاء مستوى الأسر والتقليد الأعمى مع الابتعاد عن التقاليد المغربية العريقة بحكم تغير المجالات، أضف إلى ذلك تغير العادات في الأكل واللباس والتصرفات، ثم الانتقال من عصر إلى عصر ومن محيط اجتماعي واقتصادي إلى آخر ومن بيئة اجتماعية إلى أخرى، ثم التمازج بين العائلات والأسر والهجرة الكبرى من القرى إلى المدن، والتطبع بتقاليد الأسر والمناطق واللهجات والانتماءات فيما بينها، فمعظم المدن الكبرى تضم عائلات من مختلف مناطق المغرب من الجنوب إلى الشمال ومن الشرق إلى الغرب والاستقرار بالمدن الكبرى بدافع العمل أو بدافع الدراسة والمزج بين الثقافات المختلفة؛
الأسباب التشريعية:
ولا ننسى كذلك أن التغييرات التي عرفتها التشريعات المغربية في هذا المجال و قوانين (الأحوال الشخصية) ومدونة الأسرة وكذا مختلف الأحكام التي أصدرتها المحاكم في ملفات الطلاق والواجبات الثقيلة المحكوم بها على الرجل المطلق والتي ترهق كاهله أو مسألة طالبات التطليق من طرف الزوجة وآثارها خاصة ما يتعلق ب(النفقة وتوابعها)، وبعض المقتضيات القانونية التي تكون سببا تدفع الراغب في الزواج إلى التفكير ألف مرة قبل الدخول في منظومة الزواج، كلها عوامل غير مباشرة ساهمت في تأخير الزواج بل حتى والعزوف عنه؛
تأخير الزواج بسبب طلب العلم وعدم الشغل:
ناهيك عن بعض الأفكار الأخرى كانتظار تكميل الدراسة إلى الماستر، ثم وبعد الدراسة الدخول في منظومة العمل أو الشغل لتحقيق مدخول وتحقيق الذات لمواجهة المصاريف العائلية،
تأخير الزواج بسبب غلاء المعيشة:
في ظل ما تعرفه الحياة من الغلاء المفرط في المعيشة مؤخرا والتي تعم جميع المجالات كالتطبيب والدراسة للأبناء وأبسط شروط المعيشة خاصة منه السكن، إلى غير ذلك من مكلفات المعيشة الحالية؛
تأخير الزواج بسبب التكاليف:
ومن بين أسباب العزوف عن الزواج أيضا ارتفاع تكاليف الزواج المادية وشروط الأهل وقد تؤخره أو يتم العزوف عنه لأجل ذلك، خاصة عند وضع شروط تعجيزية للشاب الذي يفضل بدأ حياته دون اللجوء إلى الاستدانة والاقتراض من الأهل أو من الأبناك؛
تأخير الزواج بسبب الخوف من تحمل المسؤولية:
كما سبق ذكره شباب اليوم هو ليس كشباب الأمس، فلعدة أسباب وخاصة ارتفاع نسب الطلاق و انتشار المشاكل الزواج واستعراضها عبر مواقع التواصل الاجتماعي وفي المجتمع، جعل الشباب يتأثر بما يراه ويسمعه يوميا، مما يدفعه إلى التفكير السلبي في الزواج؛
الزواج في القرى:
في بعض القرى المغربية، الظاهرة هي أقل حدة مما هي عليه في المدن الكبرى في هذه المسالة، إذ لا يؤخذ بعدة أشياء عند الزواج مثلا وضع الشاب، هل هو يعمل أو لا يعمل وهل يتوفر على مدخول معين، وغالبا ما يكون ذلك الشاب القروي، يساعد أباه في أشغال الفلاحة والرعي والزراعة والبيت والصيد والتجارة، ولم يتمم دراسته ولم يهاجر إلى المدينة، ولهذا ما زلنا نرى في بعض المناطق القروية آثارا للزواج المبكر بين شباب وشابات لا يجمعهما إلا المنطقة الجغرافية كالدوار أو الدواوير المجاورة والعائلات، فوثيرة الزواج في هذه المناطق حاليا أضحت أعلى مما هي عليه في المدن الكبرى، كما أن الأسر تكون في وضعية ومستوى مادي متقارب مما يجمع زواج أبنائهما في شكل من البساطة والتقاليد المحلية المتعارف عليها والاكتفاء والرضى بالمستوى المعيشي البسيط و بالنصيب المكتوب لكلا الطرفين؛
القرآن الكريم والزواج:
جاء في قول الله تعالى في سورة الروم ” …ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون…”
وقوله تعالى في سورة الزمر” …خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها….”
الرسول ﷺ حث على الزواج:
عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فعليه بالصوم ما تيسر…،….”
الخلاصة:
في كل الأحوال وجب تذليل العقبات التي قد تعيق المبادرة إلى الزواج، كما ينبغي للأقارب ولأهل الخير والجمعيات وأهل الفكر المجتمعي التنبيه إلى أهمية هذا الأمر ومساعدة وإعانة الأشخاص العاجزين ماديا ومعنويا عن تحمل تكاليف الزواج ومؤازرتهم، وعدم التشديد في المهر وفي شروط الوليمة وفي المساطر القانونية، كما وجب تشجيع الشباب على الزواج درءا للفساد والخروج عن قيم مجتمعنا العالية؛
ثم اقتراح إعادة النظر وتبسيط تشريعات الزواج وكل المقتضيات المرتبطة بها، ثم الرجوع الى تعاليم ديننا الحنيف في هذا الشأن والابتعاد عن تقليد المجتمعات الأخرى البعيدة عن تقاليدنا وحضاراتنا العريقة والراقية منذ عهود مضت؛ مما سيعزز العودة إلى الزمن الجميل الخالي من التعقيدات ومن الأسباب غير المباشرة التي تجعل الشباب يؤخرون الزواج ويعزفون عنه.



