مُنتحلو صِفة التنوير: التاريخ المغربي ليس غنيمة لأشباه الفاتحيين الجدد

06 يناير 2026 17:58

مُنتحلو صِفة التنوير: التاريخ المغربي ليس غنيمة لأشباه الفاتحيين الجدد”

هوية بريس – عبد السلام بامعروف

من المضحك، والمبكي في آن واحد، أن نرى موجة من “أشباه الباحثين” والمناضلين الرقميين الجدد، وهم يتباكون على ما يسمونه “طمس” تاريخ المغرب القديم والوسيط. يدّعون “البطولة” في استخراج كنوزٍ يزعمون أنها كانت مخفية، بينما الحقيقة الوحيدة التي تعرضت للطمس والتعطيل هي عقولهم ومنطقهم، الذي وقع ضحيةً لبروباغندا خوارزميات “تيك توك” و”فيسبوك”.

إن هؤلاء الذين يروجون لأطروحة “التاريخ المطموس”، يمارسون نوعاً من الأميّة التاريخية المغلفة بشعارات إيديولوجية. فهم يتوهمون وجود “مؤامرة سياسية” لإخفاء التاريخ لمجرد أنهم — وبكل بساطة — لم يفتحوا كتاباً في حياتهم قبل عصر “البوز” الرقمي.

الممالك المورية.. “رفاق دراستنا” لا “أسراركم”

إن الممالك المورية التي يعتقد هؤلاء أنهم “اكتشفوها” اليوم، كانت جزءاً أصيلاً من تكويننا المعرفي في الثانويات المغربية منذ القرن الماضي. نستغرب حقاً هذا التباكي على إقصاء ملوكٍ مثل “بوخوس” و**”يوبا الثاني”**، أو الثائر الأمازيغي “إيديمون” (Aedemon)؛ فصور هؤلاء وسيرهم كانت تعلو صفحات مقرراتنا لعقود. مأساتكم هي أنكم تعاملون “جهلكم المتأخر” بالمعلومة كأنه دليل على “قمع الذاكرة”، في حين أنكم تسقطون في فخ أشباه الباحثين الذين يعيدون تدوير حقائق مدرسية روتينية ويقدمونها لكم كـ “مكاشفات نضالية”.

برغواطة والمرابطون: عندما تصبح البديهيات “ثورة”!

ولا يتوقف العبث عند التاريخ القديم، بل يمتد لادعاءات ساذجة تثير السخرية؛ فمنهم من يخرج مزمجراً وكأنه “حرر” معلومة مفادها أن “يوسف بن تاشفين” أمازيغي، وكأن المغاربة أو كتب التاريخ قد زعموا يوماً أنه جاء من قريش أو من بلاد الفايكنج! إن أمازيغية صنهاجة واللثام المرابطي هي ألفباء التاريخ المغربي التي لا يجادل فيها طفل صغير.

أما المزايدة بملف “إمارة برغواطة” وكأنها كانت طي الكتمان، فهي ذروة الاستلاب؛ فبرغواطة وفكرها وتاريخها وصراعاتها مع الإدريسيين ثم المرابطين، قتلتها الكتب الأكاديمية بحثاً وتحليلاً منذ زمن طويل، وهي مادة دسمة في مدرجات الجامعات المغربية لمن كلف نفسه عناء القراءة بدل الاكتفاء بـ “قشور” الوسائط الاجتماعية.

تجارة الوهم والنضال المزيف

إن ما يقوم به هؤلاء ليس بحثاً تاريخياً، بل هو “إعادة تدوير” لمواد تعليمية متاحة للجميع، وتقديمها للجمهور الساذج في ثوب “أسرار ممنوعة”. إنهم يستغلون الفراغ المعرفي لدى البعض لتمرير عقد نفسية، موهمين أتباعهم بأنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة التي حُجبت عنهم، وكأننا كنا نعيش في “تيهٍ حضاري” قبل ظهور هواتفهم الذكية.

يجب أن يدرك المغاربة أن تاريخهم لم يكن يوماً “مطموساً” لمن أراد البحث في المراجع الرصينة والمقررات الأكاديمية. إننا أمام ظاهرة “تجار الأزمات الهوياتية” الذين يريدون اختزال تاريخٍ عظيم وممتد في بضع شعارات شعبوية.

لقد حان الوقت لتنقية الساحة من “هرطقات” هؤلاء؛ فالتاريخ يُقرأ في أمهات الكتب، ولا يُستجدى من خوارزميات المنصات. كفوا عن بيعنا بضاعتنا القديمة في أكياس نضالية مهترئة.

 

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
10°
15°
الخميس
14°
الجمعة
15°
السبت
15°
أحد

كاريكاتير

حديث الصورة