محاربة الجريمة وتدبير الشأن الأمني المحلي

23 أبريل 2014 17:29
محاربة الجريمة وتدبير الشأن الأمني المحلي

محاربة الجريمة وتدبير الشأن الأمني المحلي

ذ. بدرالدين الخمالي

هوية بريس – الأربعاء 23 أبريل 2014

إن ما شهدته مدينة العرائش وإقليمها في الأيام القليلة الماضية من ارتفاع ملحوظ في معدلات الجريمة، خاصة جرائم القتل والاعتداءات الجسدية على المواطنين والاعتداء على الممتلكات الخاصة والمحلات التجارية والسرقات التي تم بعضها في وضح النهار وازدياد وتيرة العنف الاجتماعي، تعد كلها مؤشرات خطيرة تفيد بما لا يدع مجالا للشك حجم التدهور الكبير الذي أصبح يعرفه تدبير المجال الأمني المحلي، كنتيجة طبيعية لفشل سياسات تدبير المجالات العمومية المحلية الأخرى ودليلا واضحا على عدم فعالية سياسة مكافحة الجريمة والانحراف على المستوى المحلي وتفاقم الأسباب المؤدية إلى استفحالها؛

وأهمها انتشار تجارة المخدرات وأقراص الهلوسة وبيع المشروبات الكحولية خارج إطار القانون، في ارتباط عضوي بالاختلالات الكبيرة التي تشهدها مجالات التدبير الجماعي والمحلي لشؤون المدينة وساكنيها وانتكاس مشاريع التنمية المحلية وإدماج الشباب في النسيج السوسيو اقتصادي وإيجاد بنية تحتية اقتصادية واجتماعية وثقافية ورياضية ملائمة للقضاء على ظاهرة البطالة المستشرية في صفوف الشباب خاصة حاملي الشهادات، وعدم اعتماد سياسة حقيقة وناجعة لحل إشكال السكن الغير اللائق وانتشار دور الصفيح والأحياء العشوائية التي تنبت في أطراف المدينة والتي أصبحت العديد منها بؤرا سوداء للجريمة والانحراف.

حيث إن جريمتي القتل التي تعرض لهما كل من الشاب زهير البياز بحي جنان بيضاوة على يد المسمى بولد همهامة وجريمة قتل الشابة عائشة العفسي بغابة الاوسطال، ليستا فقط جريمتين عرضيتين معزولتين تزامنتا بشكل مفاجئ مع السياق الوطني في محاربة ما أصبح يعرف بظاهرة التشرميل، بل إن الجريمتين هما حلقة من سلسلة مستمرة ومتشابكة من جرائم القتل والاعتداء الجسدي والسرقات التي عرفتها المدينة منذ وقت طويلة ولازالت متواصلة بشكل أساسي نتيجة لضعف أداء الجهاز الأمني وعدم فعاليته ونجاعته في التدخل بالسرعة المطلوبة أثناء حدوث الجريمة أو بعدها كما أن الوظيفة الوقائية لجهاز الشرطة التي تهدف إلى منع وقوع الجريمة ضعيفة وشبه منعدمة مع توالي حالات الاعتداء على الأشخاص والممتلكات.

هذا بالإضافة إلى الانتشار المريع للمتشردين والمتسولين والمتسكعين في أغلب مناطق المدينة الحيوية كما أن الجانحين وذوي السوابق وبسبب فشل سياسة الإدماج والعلاج بعد قضاء العقوبة أصبحوا هم الفئة الأكثر ارتكابا للجريمة مما يؤشر إلى فشل المؤسسة السجنية في دور الإصلاح والتأهيل والتهذيب وتراجع الفعالية الزجرية والردعية والوظيفة التربوية للعقوبة.

إن الوضع الحالي يتطلب من السلطات العمومية على وجه السرعة تشخيصا واقعيا وعمليا للوضع، مصحوبا بالمعطيات والأرقام وبالدراسات العلمية للظاهرة الإجرامية بإقليم العرائش، كي يتسنى وضع سياسة أمنية محلية تستجيب لمطلب الساكنة في تحقيق الأمن والسكينة العمومية والتي تم التعبير عنها في المسيرات المتتالية التي نظمها عدد من فعاليات المجتمع المدني وأهالي الضحايا.

وذلك عبر استثمار المعلومات المتوفرة لدى المصالح الأمنية والقضائية والمتعلقة بالأنشطة الإجرامية المحلية والإقليمية وضبط معدلاتها وأنواعها وأصنافها وعدد الشكايات التي تقدم بها المواطنون ضحايا الاعتداءات للمصالح الأمنية من خلال فحص الرقم الأسود وتحديد عدد المتابعات الجنائية في جرائم الاعتداءات الجسدية والسرقات، من اجل التمكن من إعداد سياسة أمنية محلية تشاركية مندمجة وناجعة لمكافحة الإجرام والانحراف في انسجام مع السياسة الجنائية الوطنية.

والعمل على زيادة عدد رجال الأمن وتطوير إمكانياتهم وتوفير كافة الوسائل اللوجيستيكية لمصالح الأمن الوطني الإقليمية من اجل مكافحة الجريمة، وفتح مراكز للشرطة في إطار سياسة القرب في الأحياء التي عرفت وتعرف نشاطا إجراميا ملحوظا وذلك من اجل القضاء على البؤر الاجرامية.

تفعيل دور الشرطة الإدارية الوقائي وتسيير دوريات المراقبة وتمشيط الأحياء خاصة في الصباح والليل مما من شانه خلق الإحساس بالأمان لدى المواطنين.

والعمل على محاربة تجارة المخدرات وتجارة الكحول خرج إطار القانون ومكافحة تجارة حبوب الهلوسة، وتقديم من يقوم بها للعدالة وإطلاق عمليات التحسيس والتوعية والإعلام بمخاطر الجريمة واستخدام العنف وتعاطي المخدرات داخل الأحياء التي تعاني من الهشاشة من خلال المؤسسات التربوية العمومية والمجتمع المدني والأسر والتركيز على فئة المراهقين والشباب من خلال زرع القيم الاخلاقية وقيم المواطنة وحقوق الانسان.

توفير الدعم النفسي والمادي لضحايا الاعتداءات الإجرامية ولأسرهم، خاصة ضحايا الاعتداءات الجسدية والاغتصاب والعنف المادي وإحداث وحدات لمتابعة وضعياتهم الصحية الاجتماعية وتيسير مهام إعادة إدماجهم الاجتماعي.

العمل على مكافحة الإدمان على المخدرات وتقديم العلاج الطبي والنفسي للمدمنين بالشراكة مع المجتمع المدني، واستثمار المؤثر الديني من اجل الحض على الابتعاد عن تدخين وتعاطي المخدرات بالتنسيق مع المجلس العلمي والرابطة المحمدية للعلماء وخطباء المساجد والدعاة.

ضرورة إدماج الجانحين من ذوي السوابق العدلية في النسيج السوسيو اقتصادي، وتقديم العلاج النفسي والتربوي لهم وتمكينهم من التكوين الضروري لولوج سوق الشغل وإحداث الأنشطة المدرة للدخل، وتلافي ارتكاسهم نحو العودة مرة أخرى لممارسة الجريمة.

العمل على إيواء الأشخاص في وضعية صعبة والمتشردين والمتسولين في إطار عملية محاربة التسول والتشرد بالمدينة وتجريم إلقاء المرضى العقليين والنفسين خارج المؤسسات العلاجية ونقلهم بشكل عشوائي أو ممنهج من مدينة إلى أخرى وتحريك المتابعة القضائية ضد كل من يثبت تورطه في هذه الأعمال الإجرامية الخطيرة، وتشجيع العمل التضامني والتكافلي لرعاية فئات المرضى النفسين والعقليين بالشراكة مع المؤسسات الخيرية ومنظمات المجتمع المدني.

السهر على متابعة شكايات المواطنين وسرعة الاستجابة لها والتجاوب مع نداءات الاستغاثة التي تتوصل بها مصالح المداومة بمراكز الأمن الوطني وتحسيس المواطنين بأهمية التبليغ عن الجريمة وعن السلوكات المنحرفة.

ضرورة تحقيق مفهوم الحكامة الأمنية المحلية عبر تحقيق مبدأ سيادة القانون والمساواة والشفافية واحترام حقوق الإنسان.

ضرورة إيجاد سياسة اجتماعية واقتصادية بديلة لتفادي إنتاج وتفريخ الجريمة عبر محاربة دور الصفيح والسكن الغير اللائق والبناء العشوائي، وتمكين المجتمع المدني من ممارسة دور الرقابة على المجالس الجماعية والمنتخبين والمشاركة في إعداد السياسات العمومية المحلية، ودعم القوة الاقتراحية للمجتمع المدني وإشراكه كطرف أساسي في حل المعضلات الاجتماعية والاقتصادية.

وفي الأخير علينا كذلك القول بان سياسة محاربة الجريمة والانحراف لا يمكن أن تؤتي ثمارها المرجوة فقط من خلال الحلول الأمنية، ذلك لان أي سياسة جنائية لا يمكنها أن تحقق أهدافها عبر آليات التجريم والعقاب دون أن توفر السلطات العمومية الحلول اللازمة للقضاء على الانحراف والجنوح لاعتبارات أساسية من بينها الترابط العضوي بين السلوك الإجرامي والظروف الاجتماعية والبيئية التي يتم ضمنها تصريفه، حيث إن القضاء على الجريمة يمر حتما عبر تحقيق العدالة الاجتماعية وضمان تكافؤ الفرص وإيجاد بنية تحتية اقتصادية ومقاربات اجتماعية وثقافية وصحية وبيئية سليمة ووازنة في المدينة والإقليم وتفعيل المخططات الاستراتيجية للتنمية والتأهيل القروي والحضري كفيلة بتجاوز الاكراهات والمعيقات وتلبية حاجيات الساكنة والشباب على الخصوص في توفير مناصب الشغل وضمان مناخ امثل للاستثمار وجذب المقاولات وتوسيع مجالات الأنشطة الاقتصادية والحفاظ على المقومات البيئية والحضارية والخصوصية المحلية وتنزيل مفهوم الحكامة الترابية والسهر على أداء الهيئات المنتخبة والسلطات المحلية لوظائفها لفائدة الساكنة بشكل شفاف وقانوني ونزيه والعمل على إيجاد فضاءات عمومية نظيفة وآمنة لفائدة الأسر والأشخاص لإعادة الإحساس بالأمن والسلامة للمواطنين والثقة في كفاءة وفعالية مؤسسة الأمن الوطني.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M