أهمية الإعمار الفكري في التحرير وتحصين الأوطان من مخاطر المشروع الصهيوني: من المقاومة الظرفية إلى المواجهة الوجودية في عصر الطوفان

أهمية الإعمار الفكري في التحرير وتحصين الأوطان من مخاطر المشروع الصهيوني: من المقاومة الظرفية إلى المواجهة الوجودية في عصر الطوفان
هوية بريس – د. الحبيب الشوباني
أولًا: تقديم
لم يكن الصراع يوما مع المشروع الصهيوني صراعَ حدودٍ أو نزاعَ مصالح سياسية ظرفية، بل لقد تكشَّف دائما عبر مساره التاريخي الطويل، ووظيفته الاستعمارية الإحلالية الثابتة، باعتباره صراعا وجوديا حضاريا يستهدف الإنسان في وعيه قبل أرضه، وفي عقيدته ومنظومة معانيه قبل جغرافيته.
فالمشروع الصهيوني لم يُصمَّم فقط للسيطرة المادية، بل للاختراق الرمزي، وإعادة تشكيل الإدراك الفردي والجماعي، وتفكيك المرجعيات التي تمنح شعوب الحوض الحضاري الإسلامي قدرتها على الفهم والمقاومة والانتصار.
في هذا السياق، يغدو الاقتصار على أدوات المواجهة العسكرية أو السياسية – على ضرورتهما القصوى حسب كل سياق– غير كافٍ، ما لم يُسند ذلك بـ “مشروع إعمار فكري شامل”، يعيد بناء الوعي، ويحرر العقل من آثار السردية الاستعمارية الصهيونية، ويفكك الأساطير المؤسسة للهيمنة، ويوجه فعل المقاومة نحو جبهة المواجهة الفكرية الوجودية.
وقد جاء طوفان الأقصى ليؤكد، عمليًا لا نظريًا، أن المعركة الحقيقية هي معركة على الرواية والمعنى والشرعية، بقدر ما هي معركة على الأرض والجغرافيا المقدسة.
ثانيًا: في تعريف مفهوم الإعمار الفكري
نقصد بـ “الإعمار الفكري” :
*”العملية المنهجية المصممة بعلم، لإعادة بناء الوعي الفردي والجماعي للأمة، على أسس معرفية وقيمية وتاريخية سليمة، تُحرِّر العقل من الاستلاب والاستعمار الرمزي، وتُعيد وصل الإنسان بمقومات الفهم السُّنني، والتكليف السُّنني للتدافع الحضاري، وتمكِّنه من الفهم النقدي للواقع ولمشاريع الهيمنة التي تستهدفه”.*
وعليه، فالإعمار الفكري ليس تراكُما معلوماتيا، ولا خطابا تعبويا مؤقتا، بل هو مشروع تحرر معرفي شامل وطويل النفس، يشتغل على:
– تفكيك البُنى الذهنية المُستعمَرة.
– تصحيح المفاهيم المُضلِّلة.
– إعادة الاعتبار للسردية التاريخية الأصلية.
– إنتاج معرفة سُننية قادرة على تفسير الصراع الوجودي.
– توجيه الفعل نحو التكليف السُّنني لتحقيق المواجهة الفكرية الشاملة.
– تحديد الغاية من المواجهة الفكرية الشاملة في التحرير الشامل.
ثالثًا: المشروع الصهيوني بوصفه مشروعًا معرفيا نقيضا للوجود الحضاري الإسلامي
تتجلى خطورة المشروع الصهيوني في كونه مشروعًا مركبا، لا يقوم على القوة العسكرية وحدها، بل على هندسة فكرية شاملة، من أبرز مرتكزاتها:
– إعادة كتابة التاريخ عبر الأسطرة التوراتية التلمودية المشيحانية، للماضي.
– نزع الشرعية عن الوجود الفلسطيني والإسلامي في فلسطين التاريخية.
– اختراق المفاهيم بتوظيف مصطلحات مثل “معاداة السامية” و”الحق في الدفاع عن النفس” و”الكيان الديمقراطي الوحيد في الشرق الأوسط”، كأدوات لتجريم المقاومة وتبييض وجه الاستعمار الاستيطاني العنصري.
– الهيمنة على المعرفة والإعلام من خلال شبكات أكاديمية وإعلامية تُعيد إنتاج وصيانة الرواية الصهيونية عالميًا.
– تفكيك المجتمعات من الداخل عبر التطبيع الثقافي، وإشاعة الانهزام النفسي، وفصل الأجيال عن قضاياها المركزية.
وبناءً عليه، فإن مواجهة مشروع بهذه الطبيعة لا يمكن أن تتم دون مشروع إعمار فكري شامل، مضاد ومتفوق، يستهدف البنية العميقة للهيمنة، لا مظاهرها فقط.
رابعًا: طوفان الأقصى والقيمة المضافة النوعية في مسار الإعمار الفكري
شكّل طوفان الأقصى حدثا كاشفا، تجاوز بعده العسكري إلى كونه منعطفا معرفيا وسرديا عالميا، أعاد ترتيب منظومات الإدراك في العالم، وفتح أفقا جديدا للإعمار الفكري في ثلاث دوائر متداخلة:
1. عالميا: تفكيك زيف الرواية الصهيونية
أحدث الطوفان شرخا غير مسبوق في الهيمنة السردية الغربية، إذ انكشفت التناقضات البنيوية بين خطاب “القيم الإنسانية” والشراكة الكاملة في ممارسة الإبادة. وتحت ضغط الوقائع والتحولات ااجءرية، تراجعت صورة “إسرائيل الضحية” ، لتحل محلها – في وعي قطاعات واسعة – صورة “الكيان الاستيطاني العنصري المتوحش”.
لقد أسهم الطوفان الملحمي المجيد في:
– تحرير الوعي العالمي من الابتزاز الأخلاقي الصهيوني.
– نقل القضية الفلسطينية من هامش “نزاع معقّد” إلى مركز سؤال قيمة العدالة الكونية.
– تحفيز حراك نقدي داخل الجامعات والنخب الغربية ضد التواطؤ المعرفي والإعلامي.
وهكذا، تحوّل طوفان الأقصى إلى *رافعة إعمار فكري عالمي* كسرت احتكار الرواية، وفتحت المجال لسردية تحررية عالمية مضادة.
*2. إسلاميًا: إعادة وصل الوعي بالفعل التاريخي*
في الفضاء الحضاري الإسلامي، أنهى الطوفان حالة الفصل المصطنع بين الإيمان كقيمة روحية، والمقاومة كفعل تاريخي مشروع. فأعاد:
– مركزية فلسطين باعتبارها قضية تحرر أممي لا ملفًا سياسيًا.
– الاعتبار لمفهوم المقاومة بوصفها حقًا إنسانيا أخلاقيا وتاريخيا.
– كشف تهافت خطاب “الواقعية” الذي شرعن الاستسلام للاحتلال.
كما أعاد ترسيخ الوعي السنني بأن اختلال ميزان القوة لا يلغي سنن التدافع، وأن الإرادة الواعية قادرة على كسر منطق الحتمية المتوهمة بثقافة الانهزام. وبهذا المعنى، *مثّل الطوفان إعمارًا فكريًا إسلاميًا عمليًا* أعاد الثقة بالفعل، ولمعنى الكرامة، ولمفهوم الشهادة على العاام.
*3. فلسطينيًا: استعادة الذات والمبادرة والسردية*
فلسطينيًا، شكّل الطوفان لحظة تحرر رمزي عميق، أعادت:
– الفلسطيني من موقع “الضحية الصامتة” إلى موقع الفاعل الجبار في التاريخ.
– توحيد الهوية الفلسطينية حول “خيار المقاومة” لا حول “إدارة الاحتلال” .
– إسقاط خطاب “تحسين شروط العيش تحت الاحتلال العنصري النازي”.
لقد أعاد الطوفان تثبيت الذات والمبادرة والرواية الفلسطينية، بوصفه شعبا يملك إرادة تحررية صلبة – فرض بها روايته التحررية ضد الاحتلال والتصفية بالنسيان والإبادة – لا مجرد مأساة إنسانية معزولة، وهو ما يُعدّ أحد أعظم إنجازات الإعمار الفكري الطوفاني.
خامسًا: أهمية الإعمار الفكري في المواجهة الوجودية
تتجلى أهمية الإعمار الفكري في هذه المواجهة في مستويات عدة:
– تحرير الوعي من القابلية للاستعمار وكسر عقدة الدونية الحضارية لغرب آفل ومنحط قيميا وأخلاقيا.
– إعادة بناء السردية التاريخية الحقة وتحصين الذاكرة الجماعية.
– تحصين المجتمعات من الاختراق والتطبيع الثقافي والأكاديمي.
– تحويل المقاومة من رد فعل إلى مشروع حضاري عالمي تحرري طويل النفس.
لقد جاء طوفان الأقصى ليؤكد أن هذه الوظائف ليست نظرية، بل قابلة للتحقق حين يُعمَّر الوعي، وحين يتحرر المعنى.
سادسًا: آفاق الإعمار الفكري ومتطلباته
يتطلب الإعمار الفكري في مرحلة ما بعد الطوفان:
– نخبًا فكرية مستقلة ومدركة لوظيفتها التاريخية في حماية السيادة المعرفية لأوطانها.
– مؤسسات بحثية وإعلامية منتِجة للمعرفة الحقة، وحارسة لثغور الأمن المعرفي.
– إصلاحًا عميقًا للمناهج التعليمية والتربوية، ينتج وينشئ على الرواية الحقة البديلة.
– مجتمعات ومنظمات مدنية فاعلة معرفيا في تأطير الأجيال ضد الاختراق المعرفي.
– ربط الفكر بالفعل، حتى لا تتحول جهود الإعمار إلى ترفٍ نظري.
خاتمة
كشف طوفان الأقصى أن المعركة مع المشروع الصهيوني، في جوهرها، معركة على الوعي والشرعية والمعنى. وقد أثبت أن الروايات يمكن أن تُهزم، وأن الهيمنة المعرفية قابلة للكسر، وأن الإعمار الفكري ليس شرطًا سابقًا للمواجهة فحسب، بل أحد أعظم مكاسبها. إن التحدي المطروح اليوم على كل إنسان حر ذي إيمان بعدالة القضية الفلسطينية، ليس فقط مقاومة المشروع الصهيوني، بل منع جهود ترميم زيفه السردي، وتحويل لحظة الطوفان إلى مسار إعمار فكري شامل ومستدام، يؤسس لتحرير حتمي طويل النفس، عنوانه: (تحرير الإنسان… شرط لتحرير الأوطان) .



