سياسة ترامب وأفق العلاقات الدولية

09 يناير 2026 08:59
ترامب، مادورو

هوية بريس – بلال التليدي

من الواضح جدا أن ما أقدم عليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو أربك المجتمع الأكاديمي والسياسي على حد سواء: الأول لأنه صار معنيا باستشراف آفاق العلاقات الدولية بعد أن صارت نظرياته وأطروحاته محل مراجعة كبيرة، وبعدما صارت فرضية عودة الاستعمار أمرا واردا بالنظر إلى الخطاب والممارسة على السواء، فالرئيس الأمريكي لا يخفي في خطابه التطلع لضم كندا وجزيرة غرينلاند الدانماركية، والسيطرة على النفط والمعادن الثمينة في فنزويلا، وعمليته العسكرية في العاصمة الفنزويلية كاراكاس، وما نتج عنها من المس بسيادة دولة أجنبية واستهداف رأس نظامها السياسي سابقة تعيد إلى الأذهان نموذج تعامل وانشطن مع باناما. أما الثاني، أي المجتمع السياسي، وضمنه صناع القرار، والفاعلون السياسيون في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول، فهو بصدد التأمل في أزمة عميقة تتعلق بالقانون الدولي والشرعية الدولية، وأيضا بالنموذج الديمقراطي، وهل هناك قواعد يحتكم إليها في تدبير العلاقات الدولية، وهل يسمح النموذج الديمقراطي بتحويل آلياته من الانضباط للقانون الدولي إلى الاحتكام إلى القوة لتحقيق الأمن أو المصلحة القومية بدلا عن قواعد القانون الدولي؟

نتصور أن اختلافا كبيرا سيميز مقاربة المجتمع الأكاديمي عن مقاربة المجتمع السياسي. فالأول، منذ مدة كان يتابع تطور الأطروحة الأمنية لدى القوى الدولية والإقليمية، وكيف تطور مفهوم الردع والضربات الاستباقية، والشريط العازل، والمنطقة الآمنة، وغيرها من المفردات التي سوغت توسيع دائرة الأمن القومي ليشمل المس بسيادة الدول المجاورة. لقد انتصبت دوافع كثيرة راقبها المجتمع الأكاديمي، تبرر بروز هذه المفاهيم، منها التحديات الأمنية، والأقليات الانفصالية وهشاشة الدولة (اليمن، وليبيا، والسودان، والصومال) لكن اليوم، لم يعد الأمر مقتصرا على هذه العوامل، فقد ظهر عامل آخر، ليس مرتبطا في صلبه بالأمن، بقدر ما هو مرتبط بتوسع مفهوم المصلحة الاقتصادية وتلبية الحاجات الاقتصادية للأمة أو الحاجات التنافسية إن صح التعبير بحكم أن الاستقطاب الدولي اليوم صار منصبا على توفير مواد أولية أو معادن ثمينة تساهم في صناعة الفارق في مجال التفوق الدولي، فصار الطلب على القوة يتعدى قانون مونرو المؤطر للعلاقات الدولية، ويسوغ استعمالها خارج الحدود بشكل استباقي، أو إرادي لتحقيق تطلعات معلنة.

المجتمع السياسي، يراقب بدون شك هذه التطورات، لكن من المرجح أنه سيشهد في الآونة الأخيرة تغييرا في الخطاب، إما لجهة البحث عن خيارات لمنع هذا التحول الخطير في النموذج الناظم للعلاقات الدولية، بما يحصن سيادة الدول ووحدة ترابها وحقوقها الاقتصادية، وإما التكيف مع المنطق الجديد وذلك في اتجاهين: تسويغ نفس الممارسة في حق شعوب ودول أخرى، أو البحث عن موقع في خارطة التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية، يؤمن النجاة من عدوى حالة فنزويلا، أو يضمن قدرا من المصلحة المشتركة مع واشنطن.

صناع القرار السياسي العربي اليوم في وضع غير محسود عليه، لسبب بسيط، لأنهم لا يملكون أي خيار لا في هذا الاتجاه ولا ذاك، والوضع الأفضل بالنسبة لبعضهم، أنهم صاروا أكثر نجاة من دول أخرى عربية اختارت أن تتموقع ضد المصالح الأمريكية في المنطقة، فسواء في ذلك الدول التي تحتفظ بالطابع الشمولي للدولة، وتزايد بخطاباتها القومية، أو الدول التي تمانع لحد الآن السقوط في مربع التطبيع، أو تشترط له، فكل هؤلاء يوجدون اليوم في وضع حرج، وربما صارت هذه الدول تشعر بضيق الخيارات أو انعدامها، وربما تجهز مروحة من الامتيازات لواشنطن خوفا من السيناريو المجهول، أما الدول الحليفة، فليست بأحسن حالا، فواشنطن وضعت في بوصلتها الاستراتيجية استهداف وحدة الدانمارك، فهل تكون هي أكثر قربا من واشنطن من هذه الدولة الغربية المسيحية الليبرالية؟

نظريا لا شيء يقول بأن واشنطن بهذه القوة التي تسمح لها بتركيع العالم، وبأن العالم كله فقد الخيار في مواجهتها، فواشنطن لا تملك كل هذه القوة لتجعل العالم مسرحا لأهدافها وأطماعها، وداخلُها لا يوفر أي إجماع على سياستها، ووضعها الاقتصادي لا يسمح بذلك. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فالعالم اليوم، بصدد تخلق نظام متعدد الأقطاب، غير محكوم بالضرورة بما أنتجته الحرب العالمية الثانية من تصدر القوى الخمس، فهناك قوى أخرى جديدة إقليمية ودولية، ترسم خطاها نحو الإقلاع والتموقع، ويمكن في سياق التحالفات والتكتلات الدولية، أن تصنع مستقبلا مغايرا لما يجري اليوم، ومن ثمة فالخيارات يمكن تصورها، إذا لم تكن سياسة واشنطن مؤسسة على تفاهمات مع قوى دولية، محكومة بمنطق الأخذ والعطاء، فسياسة واشنطن تجاه روسيا، تستبطن شيئا من ذلك، ويمكن أن يلاحظ المراقب السياسي أن واشنطن تدافع عن تطلعات بوتين في أوكرانيا وتوجد على خط نقيض مع مصالح أوروبا في هذا الشأن، وهو الذي لا يمكن فهمه من غير استحضار خارطة توافقات مسبقة وضعت حدود ما تريده القوى الكبرى بدقة، وأيضا الخطوط الحمر التي لا يمكن تعديها.

إذا كان الأمر بهذه الشاكلة، ولعله كذلك، فالخيارات بالنسبة إلى العالم العربي جد محدودة، والأنفع في هذه المرحلة الدقيقة أن يتم تقليص مساحة الخلافات، والتفكير بعقلانية مفرطة في تكتلات حقيقية عنوانها تحصين الوجود، بدل أن يجتهد كل طرف في الاقتراب من أمريكا على حساب البعض الآخر، فواشنطن كما تبين سياستها، ستقبض من الجميع، وفي النهاية، لن ينجو منها أحد إذا ما لم يتم إعمال مقاربة حذرة، تتأسس على التوافق العربي العقلاني، والذكاء في التحرك في المحيط الدولي، وحسن استثمار التناقضات الدولية، وتجنب الدخول في وكالات استراتيجية، وتحصين الموقف العربي تجاه القضايا الاستراتيجية حتى لا يتم الاستفراد بكل دولة على حدة.

يمكن أن نلاحظ الاستفراد بالحالة اللبنانية على حدة، والحالة السورية على حدة، وهناك بداية الضغط المزدوج على السعودية من جنوب اليمن ومن جهة ما يسمى بـ«أرض الصومال»، وهناك في الاتجاه مقابل وضع إيران في دائرة الاستهداف والتقويض، وهناك سياسة لتكريس سيناريو انهيار الدولة في ليبيا، واليمن، والسودان، والتقدير أن العراق ستشهد هي الأخرى، معاودة السيناريو اللبناني، وهناك في شمال إفريقيا استمرار الصراع بين الجزائر والمغرب. فهذا الوضع المتوتر في كل جهة، يشجع واشنطن على الانتقال إلى وضع أكثر راحة في تدبير العلاقة مع العالم العربي، واستعمال التطبيع كورقة نجاة واصطفاف، ومن ثمة التحول بعد ذلك إلى خيارات «غرينلاند» العربية.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
12°
16°
أحد
17°
الإثنين
17°
الثلاثاء
16°
الأربعاء

كاريكاتير

حديث الصورة