الاتصالات في الصحراء الغربية واتفاقية بيرْ مُكْرِينْ 1935م (2/1)

هوية بريس – ذ.إدريس كرم
كان أحد أسباب تراجع النفوذ الروماني في شمال إفريقيا، على الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلتها الجمهورية والأباطرة، دون أدنى شك، اقتصر الإستيطان اللاتيني على المنطقة الشمالية.
فقد تركزت الجهود شمال خط لِمِيسْ، الذي حاول بشكل تعسفي، فصل التَّل عن المناطق الداخلية له، في الهضاب العليا، حيث الصحراء، بالرغم من تأكيد رأي بعض الشخصيات الفَطِنة، مثل القنصل كورنيليوس.
قاد بالبُوس حملة استكشافية، وصلت فزَّان الحالية، سويتونيوس باولوس وحسيدوس كِيتَا، نزلا لغاية تافيلالت الحالية (أنظر المقال القيم لـ؛ف.د.لاشابيل في مجلة؛ هسبيريس 1924 المجلد التاسع عشر 19 ص:107) والذي لم يتصور السلام في إفريقيا، إلا من خلال تهدئة المناطق الصحراوية الداخلية، بعد فرنسا فاتحة الصحراء، أدركت روما ما بعد الحرب، هذا الأمر بشكل أفضل، فوصلت إلى مرزوك.
كيفما كان الأمر، في الصحراء الغربية، فقد تم تحقيق إنجاز جديد وحاسم، بفضل العلاقات التي أقيمت، خلال الأشهر القليلة الماضية، والتي سبق أن أشارت إليها مجلة “إفريقيا الفرنسية” في الدراسة التي أجرتها مؤخرا (1935ص:18) على غرار العديد من الدراسات الأخرى، ويخبرنا مؤلفها، الذي يتسم بالدقة المتناهية -بأن الأمور تتطور بسرعة هذه الأيام- الذي يعني أن عرضه يشير لموقفه من المسألة المقدمة، كمسار لسيارات طرق الملح.
تم تحقيق الربط عبر عامل السودان، واليوم تستطيع المجلة، أن تقدم نتائج أكثر دقة، وإن لم أكن مخطئا، أن تقدم أولى التفاصيل، حول جوهر العلاقات المغربية الموريطانية، التي وثقتها اتفاقية “بير مُكْرين” على أسس متينة، سواء من حيث أهميتها أو مَداها.
لم يسمح الإتصال الأول، الذي أقيم في 7 أبريل 1934 “بالكَرْدان” بين مفرزة آلية للتخوم المغربية الجزائرية، ومجموعة الرحل الموريطانية بإدجيل، إلا بلقاء وجيز، بين الذي بإفريقيا الشمالية، والذي في موريطانيا، حول عدد من السائل الهامة، المتعلقة بالتدخل الجزايري والمغربي، في بلاد الرقيبات، التي لم تناقش بعد.
وبموجب مرسوم، إعادة تنظيم التخوم الجزايرية المغربية، الذي تم نشره في (afr. fra.1934.pp.218)، وتخضع له جميع الأراضي الموريطانية، الواقعة شمال خط العرض 25. حيث مرعى رقيبات لقواسم.
وقد بدا وضحا أن الكولونيل كمندار التخوم، بينما كان يبحث عن إيجاد حلٍّ لتلك المسائل التي لا تخص إلا الجزاير والمغرب، أما موريطانيا فلَم تكُن تَعْنِيها.
كان من الضروري أيضا علاوة على ذلك، منع بعض فخذات الرحل، التي بدت عازمة على استيناف تعاملاتها الملتوية، بين أطَار وتندوف، وهو دور مزدوج مكَّنها منذ زمن طويل، من الإلتفاف، نتيجة التنظيم غير الكافي، لجيراننا الإسبان، فمراقبة حكومة سان لوي تمكنهم من مواصلة أنشطتهم دون عقاب.
وأخيرا بدا من الضروري الإعتراف شرق المسار الذي رُسم في مارس من تندوف إلى عين بنتلي، وبلكردان، بالأراضي التي لم تُوطأ بعد، والممتدة من شمال احْمادة درعة، بين عرق إغويدي وحدود الصحراء الإسبانية.
وخلال صيف 1934 وضع المقر العام في المغرب، خطة عمل استراتيجية في الصحراء، تهدف بالتعاون مع حكومة دكار، إلى ترسيخ سيطرتنا على الصحراء الغربية.
وفي إطار برنامج الكولونيل ترينكيه، كومندار التخوم، والممثل في النهاية للمغرب والجزاير، كان سيلتقي في 16 دجنبر، بعون عبد المالك و20 دجنبر “ببيرمكرين” المدير العام للمستعمرات شازيلاص، مندوب موريطانيا وخلال هذا الإجتماع، وُضِعت أسس سياسة مشتركة للتخوم وموريطانيا، فيما يتعلق بالرقيبات، وفي الوقت نفسه كان مقررا، أن تقوم وحدات بعمليات استطلاع في مناطق لم يُتعرف عليها بعُدُ في الصحراء، وكان من المقرر متابعة المعدات العسكرية للبلاد في ضوء الحقائق، وذلك لتوسيع نطاق تدخلنا وإمكانيات سيطرتنا على كامل البلاد.

وكان من المقرر تنفيذ الأحكام ذات الصلة في موريطانيا مثل التخوم الجزايرية المغربية، في آن واحد، مع مراعاة الروابط الصحراوية المنصوص عليها.
1- ستلتقي مجموعة الرحل القادمة من شنقيط، بعد استطلاعها الخَنك، لغاية جنوب عيون عبد المالك، هناك ستلتقي ابتداء من 12 دجنبر، بمفرزة من سرية اتوات، قادمة من أدرار، عبر بوبرنوص، وشَكَّا.
2- ستلتحق مجموعة الرحل، القادمة من أدجيل، متجهة إلى بير مُكرين، هناك بدء من16 دجنبر، ستلتقي بفصيلتين من سرية مهاريس الساورة، قادمة من تندوف عبر عَين بنتلِّي وأكمار.
3- ستصل مفرزة آلية قادمة من أطار، حاملة معها مندوب موريطانيا، إلى عيون عبد المالك، عبر حصْن كُورُو، للإجتماع هناك في 16 دجنبر، بالكلونيل اترنكيت الذي جاء من تندوف، مع فرقة آلية، على أن تنتقل معه في 20 دجنبر الى بير مكرين.
** تنفيذ الارتباطات الصحراوية في دجنبر 1934
تم تحديد فرقة رُحَّل التخوم الآلية، في ضوء تنفيد الإتصلات المخطط لها، وتجميعها في تندوف بين الأول والسابع من دجنبر، بقيادة الكولونيل اترينكيه، الكمندار العسكري للتخوم الجزايرية المغربية، وتضمنت :
عناصر آلية من الفيلق والقطار الجزايري المغربي لدعم أحْدِية الرماة الجزايرين والصحراويين بالساورة، ومفرزة طيران جزائرية ومغربية.
علاوة على ذلك، فإن فصيلتين من سرية ميهاريس اتوات، في طريقهما إلى عيون عبد المالك، حيث سيتواجدان في 13 نونبر، كما ستقوم سريتين من مهارس الساورة، بفتح نقط للماء، ومدارج للطائرات في ؛بنتلي، وأكمار، ومن هناك ستنتقلان إلى بير مكرين في 20 دجنبر.
ستغادر أول فرقة آلية القاعدة التي أنشئت في تندوف في 7 دجنبر، برفقة قافلة من الغذاء والوقود، بهدف إنشاء مركز إمداد متقدم، في نقطة مياه عين بنتلي، طوال فترة العمليات.وقد وصلت المفرزة لهدفها في 8 دجنبر مساء، دن حوادث.
التنسيق في عيون عبد المالك
غادرت مفرزة ألية بأوامر مباشرة من قائد التخوم تندوف، في 11 دجنبر، بعدما قسمت لفرقتين، واتجهت نحو عيون عبد المالك، عبر طريقين مختلفتين:
الفرقة الأولى، بقيادة الكلونيل اترينكيه، عبر بوكَرْفة واعوينت لكْراعَ، وهو طريق وصفته التقارير الإستخبارية بالصعب، فوصلت أولا إلى عين بنتلي، من أجل حملها إلى لعيون، عبر طريق مباشر، بعد التزود بالماء والوقود.
ستصل الدفعة الأولي للعيون صباح يوم دجنبر، وفي مساء اليوم نفسه، ستنضم لها الدفعة الثقيلة القادمة من عين بنتلي، وفي فترة ما بعد الظهر، ستنضم المفرزة الآلية الموريطانية بقيادة ليوطنا كلونيل كمندار موريطانيا العسكري، القادم من أطار، برفقة كبير إداريـي مستعمرة شافيلس.
سارت المفارز الثلاثة في ظروف طبيعية، رغم الصعوبات الناجمة عن عبور الوديان الرملية الكثيفة، والتضاريس الرملية، وشق الحواجز، في بعض الأحيان، ورافقتها إلى الحدود فرقة، شكِّلت في 15 من الشهر، بعيون عبد المالك، حيث وجدت أرض إغاثة مستصلحة من قبل مهاريس اتوات، كانت قد أنجزتها في بضعة أيام.
في السادس عشر من الشهر، تمركزت هذه القوات في عيون عبد الملك، بالقرب من الكلونيل مكمندار التخوم، ورئيس المستعمرات، مكونة من : مفرزة آلية للتخوم، مفرزة أطار المتحركة، المجموعة المتحركة لتوات، مجموعة الرحل الشناقطة، مجموعة القوات الجوية الجزائرية المغربية.
في هذا الإتصال الآلي، تم افتتاح مسلك الجزائر السينيغال من كولومبشار إلى أطار، مرورا بتابلبالا، وبوبرنوس، بلْزْعَيْم، قلعة كورو، وهو المسار الذي سلكه ليوطنا كلونيل أبير، ليصل بَلْزْعَيْم، ذلك الذي نفده الكولونيل اترينكيت في ينير 1934 من بوبرنوص إلى عيون عبد المالك.
التنسيق في بيرْمُكْرين
بعد مغادرة المفارز الآلية التابعة لقوات التخوم وموريطانيا، لعيون عبد المالك يومي 17-18 دجنبر، اجتمعت مجددا في عين بنتلي بعد إعادة التموين، ثم توجهتا معا نحو أكمار، وبير مكرين، حيث وصلتا في 21 دجنبر، وفي الأخير تواصلتا مع مجموعة رحل من إدجيل، ومفرزة من فيلق مهاريس الساورة، التي وصلت في الأيام السابقة.
كانت المجموعة الأولى متمركزة في منطقة تُراسينا، حيث كانت تمارس الترحال، والثانية بأكمار، وقد أسفر الإتفاق التي تم التوصل إليه في هذه الأثناء، بين الكلونيل كمندار التخوم، وممثل موريطانيا في ذلك اليوم، عن توافق في الآراء، وسيمكن العثور على النص الذي يحتوي على المعلومات الأساسية، المتفق عليها بشأن السياسة المتبعة، فيما يتعلق بالرقيبات.
هذه الإتفاقية المعروضة للموافقة عليها من قبل السلطات المختصة بالرباط، والجزاير، ودكار، تسند لتندوف مراقبة رقيبات لقواسم، التي تترحَّل بشكل أساسي على التخوم في إكيدي، الخنك، صُلْب، زمُّر، وتُبْقي الإتفاقية لموريطانيا على رقيبات الساحل، التي تربطها علاقات وثيقة متواصلة، منذ زمن طويل ؛مع أطار، وشنكيط، وأكجوشت.
في نفس اليوم؛لحبيب ولد بلال، شخصية بارزة من أهل سيدي علال، فرقة أهل ابراهيم أُودَاوُدْ، من رقيبات لقواسم، والذين كانوا قد زودونا بمَرْكوبات، قبل عام حملوا للكولونيل كمندار التخوم، استسلام 350 خيمة واعترافهم بساطته.
في نفس الوقت، جاءت مجموعة من 60 خيمة من اسْواعد رقيبات الساحل، كانوا لحينه معادين، جاؤوا لطلب الأمان، من ممثلي السلطات الموريطانية الحاضرين، كما كانت المفاوضات جارية مع قبائل أخرى، استقرت مؤقتا في أعالي الساقية الحمراء.
المفرزة الآلية للتخوم ومريطانيا، انفصلتا في 23 دجنبر، ليوطنا كولونيل أُبِيرْ، التحق بحصن كورو، وأطار، في حين أن المفرزة الخفيفة للتخوم، ستصل سبخة دَناكين، وستتقدم لغاية كدية إدجِلْ، الكلونيل اترينكيت توجه لسان لوي، ودكار عبر طريق الطيران، وقام بزيارة السلطات المدنية والعسكرية الموريطانية، وإفريقيا الغربية الفرنسية.
الروابط الجوية
في الوقت الذي تُهَيَّؤُ فيه الروابط البرية، قام الجنرال أرْماندُ، قائد القوات الجوية في شمال إفريقيا، والمتمركز في دكار، بنتفيذ خط الربط بين المغرب والسنغال، في الفترة ما بين 7 و9 دجنبر، وفي 8 دجنبر غادر تندوف، ونزل في أكْمَار المحروسة، من قبل مهاريس الساورة، بعدها وصل أطار مخْفُورا، من قبل مفرزة من مجموعة طيران أكدير، تحت أوامر الكمندار تافيرن (Cf.Af.Fr.1935.pp42).
وفي الفترة ما بين 14-16 دجنبر الكمندار بِيِّريل ادْويزي كمندار الطيران لــA.O.F بالتوجه لدكار من مراكش عبر نفس المسار السالف ذكره، وعاد في 21 دجنبر، وأثناء عودته، يوم 21 شارك ببير موكرين، في التنسيق بين قوات التخوم، ونظيرتها الموريطانية.
الكولونيل اترانكيت المرفوق أثناء سفره إلى سان لوي، ودكار، بطائرات جزايرية، ومغربية، ثم عاد لعين بنتلي في 28 دجنبر، وفي اليوم التالي، توجه لعيون عبد المالك، ثم شَكَّا، ومنها لكُلَمْبَشار، عبر بُبَرْنوصْ، وتابلْبالا، رابطا عبر هذه الطريق الجديدة، مدن السنغال بالجزاير.
** النتائج المحصل عليها حتى 15 يناير 1935
في فاتح يناير 1935، تم حل المجموعة الأولى الآلية للتخوم، وضمها للمفرزة المتنقلة الموريطانية، والتحاقها بإطار، في حين أن وحدات الميهاريس الرحالة في زمور، والخنك، تابعت استطلاعاتها للبلاد.
النتائج المحصل عليها من نشاط نقْلِنا اعتبارا من هذا التاريخ مهم جدا.
تم إنشاء الطريق البري والجوي من المغرب للسنغال، وهو طريق بالغ الأهمية لشبكة اتصالاتنا بالمستعمرات في إفريقيا، وستمتد مستودعات الإغاثة، والإمدادات، من تندوف إلى دكار، مرورا بعين بنتلي، وأكمار، وحصن كورو.
يوازيه شرقا، ممر غربي، يمتد من الجزاير إلى السنغال، مُرورا بــ:
كولمبشار، تابلبلا، بوبرنوص، شِكَّا، بَلْزْعَيْم، كَاكُو، حصن كورو، أطار.وهو طريق طيران مستقبلي طبعا، هذا المسلك مجهز بممرات هبوط للطوارئ، تمتد من كلمبشار لعيون عبد المالك.
وأخيرا يربط مسلكان؛ واحد من تابلبالا إلى تندوف، وضعت علاماته لأغراض المسح، خلال خريف 1934 والثاني من عيون عبد الملك إلى عين بنتلي، حيث يصل بين أكمار، وزمور.
وبذلك أصبحت منطقة بكاملها، كانت مجهولة تماما حتى الآن، متاحة لمركباتنا، وقد غطت دورياتنا الجوية، التي ترافق القوات البرية، مساحات شاسعة كانت سابقا عصية على الوصول إليها، بسبب نقص المعرفة بالتضاريس، وبات بإمكان الطائرات والسيارات، الآن دعم وحدات المهاريس، التابعة لنا بشكل فعال، في إنجاز المهمة الشاقة التي تواجهها في هذه المناطق، حيث غالبا ما تبعد الآبار أكثر من 300 كلم.
من الناحية السياسية، حركة خضوع قبائل الرقيبات، لا يمكن إلا أن تزداد اتساعا -فالإنطباع السائد في القبيلة- نتيجة للتوافق الواضح في وجهات النظر، الذي تم التأكدُ منه مؤخرا بين التخوم وموريطانيا بشكل كبير.
الرحل غالبا ما يكونوا نهابا، حيث الجيوش مايزال بإمكانها في الآونة الأخيرة، الوصول للشواطئ المغربية، وسودان الصحراء، دون التعرض لمخاطر كبيرة، لكنهم يدركون الآن، أنه لن يكون بوسعهم المغامرة، خارج حدود واد الذهب.
لقد تم اتخاذ خطوة كبيرة، نحو تهدئة نهائية للصحراء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنظره في:
bultin du comite de l,afrique francaise 1935.pp:154-157
Les liaisons dans le sahara Occidental et la Convention de Bir Moghrein
S.HERAUTE



