د مصطفى بن حمزة وخطبة الجمعة.. واجب الدين وواجب الوقت (2)

هوية بريس- محمد زاوي
(…)
-في ثنائية: الخطاب/ الواقع
في علاقة الخطيب بواقعه أربعة شروط: الارتباط بقضايا الناس، تنزيل النص على الواقع تنزيلا سليما، المعرفة بالواقع ومتغيراته، المعرفة بالأفكار الدخيلة الهدامة. تستمد الخطبة واقعيتها في نظر د. ابن حمزة من هذه الشروط الأربعة. شرط “العلم بالأحكام” شرط ما قبل واقعي وإن جعله ابن حمزة من شروط الخطبة في سياق حديثه عن “خطبة الجمعة وواقع الأمة المعيش”، أما “إدراك تأثيرات الفنون والآداب والتقاليد” فهو من “معرفة الواقع ومتغيراته”.
*في الارتباط بقضايا الناس، يقول د. ابن حمزة: “إنه بمقدار ما يستطيع الخطيب أن يلامس قضايا الناس وأن يسير همومهم فإنه يضمن اهتمامهم وانتباههم، ويقدر من يوغل في التجريد ويتناول قضايا هامشية فإنه يقابل بالعزوف والإعراض واللامبالاة” (د. مصطفى بن حمزة، الخطيب وواقع الأمة، مكتبة الطالب، ص 23)
*أما تنزيل النصوص تنزيلا سليما على الواقع، فيعني عند ابن حمزة “فهم النصوص من جهة”، و”إدراك مقاصد الشرع من جهة”، و”الحكم بتماثل الحالة المتحدث عنها مع ما ورد فيه النص او الحكم الشرعي المعروف” (ص 28). مخالفة هذه المسالك قد يؤدي إلى “إسقاط الأحكام على حالات ليست موضوعا لها” (نفسه).
*وتعني المعرفة بالواقع عند د. ابن حمزة “مواكبة الواقع علما به ومتابعة لمستجداته ونوازله” (نفسه، ص 29)، ما “يوجب على الخطيب التزود لمعارف العصر والملاحقة اليومية لما يوجد في بيئته من الأفكار” (ص 33). والواقع عنده أيضا “مطاط ومرن” “لا يقتصر دائما على داىرة ضيقة هي القرية أو المدينة أو القطر” (ص 32).
*والمعرفة بالأفكار الدخيلة الهدامة تقتضي الوعي بالافكار التي من شأنها أن “تحدث خلخلة في البناء العقدي الإسلامي وصولا بعد ذلك إلى تفتيت كيان الأمة”. (ص 35)
المحدِّد في كل الشروط التي ذكرها د. ابن حمزة هو “قانون الواقع”، “قاعدته” أو “قواعده” التي بها يفسر. إنتاج خطاب لا يراعي هذا المحدد يعوض الواقع كما هو بالواقع كما يمليه الوجدان أو التقدير الخاص… التقدير العام عند من؟ عند الذي يستطيعه. حرية الخطيب على المنبر مرتبطة بمدى هذه الاستطاعة، تنحسر هذه الحرية وتتراجع إذا انحسرت الاستطاعة وتراجعت.
الأمة كلٌّ مجزأ. لكل جزء خصوصية واقعية، مدى إلمام الخطيب بها هو ما يجعله مؤهَّلا -أو لا يجعله- لممارسة حرية الخطبة. الحسابات قد تكون دقيقة، عدم وعي الخطيب بها يعرّض خطبته “للشطط في استعمال المنبر”.
كتاب د. ابن حمزة يعود إلى سنة 2001، عموميته متفهَّمة إذن!



